«فَإِنْ قِيلَ» : لَمَّا أَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَطْلُوبِهِ لَزِمَ أَنْ لَا يَمُوتَ إِلَى وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَبَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ لَا يَمُوتُ أَيْضًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ الْمَوْتُ بِالْكُلِّيَّةِ؟
قُلْنَا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) إِلَى مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَالْوَقْتُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كُلُّ الْمُكَلَّفِينَ قَرِيبٌ مِنْ يَوْمِ الْبَعْثِ، وَعَلَى هَذَا الوجه فَيَرْجِعُ حَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ إِلَى الوجه الْأَوَّلِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ يَوْمٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ مَتَى يَمُوتُ، لِأَنَّ فِيهِ إِغْرَاءً بِالْمَعَاصِي، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِذَا كَانَ وَقْتَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ.
فَأَمَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمْهَلَهُ إِلَى وَقْتِ قِيَامِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى مَا أَعْلَمَهُ الْوَقْتَ الَّذِي تَقُومُ الْقِيَامَةُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ الْإِغْرَاءُ بِالْمَعَاصِي.
وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَقْتَ الَّذِي فِيهِ تَقُومُ الْقِيَامَةُ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا أَنَّهُ عَلِمَ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ مِنْ وَقْتِ خِلْقَةِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى وَقْتِ قِيَامِ الْقِيَامَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً فَكَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ.