فِي قَوْلِهِ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ يَعْصِمُهُ مِنَ الْقَتْلِ، وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَمِلَ كُلَّ مَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، فَمَا أَشَدَّ تَكْلِيفَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ!
وَثَانِيهَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ النَّاسِ هاهنا الْكُفَّارُ، بِدَلِيلِ قوله تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) .
وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُمَكِّنُهُمْ مِمَّا يُرِيدُونَ.
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرُسُهُ سَعْدٌ وَحُذَيْفَةُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ قُبَّةِ أَدَمٍ وَقَالَ: «انْصَرِفُوا يَاأَيُّهَا النَّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّه من الناس» .