دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ قَدْ يُؤْكَلُ غَيْرَ ظُلْمٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، وَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْمُحْتَاجِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ.
* قَوْلُهُ: (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) فِيهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يُجْرَى ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ قَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا أَكَلَ الرَّجُلُ مَالَ الْيَتِيمِ ظُلْمًا يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ وَمَسَامِعِهِ وَأُذُنَيْهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُ كُلُّ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْيَتِيمِ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ قَوْمًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنَ النَّارِ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ: فَقَالَ: (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا» .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ ذَلِكَ تَوَسُّعٌ، وَالْمُرَادُ: إِنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ جَارٍ مَجْرَى أَكْلِ النَّارِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُفْضِي إِلَيْهِ وَيَسْتَلْزِمُهُ، وَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ أَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، كَقوله تَعَالَى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشُّورَى: 40]
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا الْإِشَارَةُ فِيهِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى التَّوَسُّعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى.
* لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْأَكْلُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْبَطْنِ فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) ؟
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: 167] وَالْقَوْلُ لَا يَكُونُ إلا بالفم، وَقَالَ: (وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الْحَجِّ: 46] وَالْقَلْبُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الصَّدْرِ، وَقَالَ: (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الْأَنْعَامِ: 38] وَالطَّيَرَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْجَنَاحِ، وَالْغَرَضُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ وَالْمُبَالَغَةُ.
* إنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ ذَكَرَ الْأَكْلَ إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْإِتْلَافَاتِ، فَإِنَّ ضَرَرَ الْيَتِيمِ لَا يَخْتَلِفُ بِأَنْ يَكُونَ إِتْلَافُ مَالِهِ بِالْأَكْلِ، أَوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَكْلَ وَأَرَادَ بِهِ كُلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتْلِفَةِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عَامَّةَ مَالِ الْيَتِيمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ الْأَنْعَامُ الَّتِي يَأْكُلُ لُحُومَهَا وَيَشْرَبُ أَلْبَانَهَا.
فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى عَادَتِهِمْ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ جَرَتِ الْعَادَةُ فِيمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي وُجُوهِ مُرَادَاتِهِ خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا، أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ أَكَلَ مَالَهُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَكْلَ هُوَ الْمُعَظَّمُ فِيمَا يُبْتَغَى مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.