فهرس الكتاب

الصفحة 1488 من 2716

قوله تعالى: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18)

والنكث هاهنا ثَلَاثَةٌ.

إِحْدَاهَا: أَنَّهُ قَالَ: (هِيَ عَصايَ) فَذَكَرَ الْعَصَا وَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِالْعَصَا وَمَنَافِعِهَا كَيْفَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا فِي بَحْرِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى شَيْءٍ: (مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) [النَّجْمِ: 17] وَلَمَّا قِيلَ لَهُ امْدَحْنَا، قَالَ: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ»

ثُمَّ نَسِيَ نَفْسَهُ وَنَسِيَ ثَنَاءَهُ فَقَالَ: «أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» .

وَثَانِيهَا: لَمَّا قَالَ: (عَصايَ) قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (أَلْقِها) فَلَمَّا أَلْقَاهَا فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى لِيَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّه فَالِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ شَاغِلٌ وَهُوَ كَالْحَيَّةِ الْمُهْلِكَةِ لَكَ.

وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) [الشُّعَرَاءِ: 77]

وَفِي الْحَدِيثِ: «يُجَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَاحِبِ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَيُؤْتَى بِذَلِكَ الْمَالِ عَلَى صُورَةِ شُجَاعٍ أَقْرَعَ» الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَالَ (هِيَ عَصَايَ) فَقَدْ تَمَّ الْجَوَابُ، إِلَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَرَ الْوُجُوهَ الْأُخَرَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْمُكَالَمَةَ مَعَ رَبِّهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ كَالْوَسِيلَةِ إِلَى تَحْصِيلِ هذا الغرض.

الثاني: قوله: (أَتَوَكَّأُ عَلَيْها) وَالتَّوَكِّي، وَالِاتِّكَاءُ، وَاحِدٌ كَالتَّوَقِّي، وَالَاتِّقَاءِ مَعْنَاهُ أَعْتَمِدُ عَلَيْهَا إِذَا عَيِيتُ أَوْ وَقَفْتُ عَلَى رَأْسِ الْقَطِيعِ أَوْ عِنْدَ الطَّفْرَةِ فَجَعَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَفْسَهُ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْعَصَا

وَقَالَ اللَّه تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتكئ على رحمتي»

بقوله تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الْأَنْفَالِ: 64] وَقَالَ: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [الْمَائِدَةِ: 67]

«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ قَوْلُهُ: (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يَقْتَضِي كَوْنَ مُحَمَّدٍ يَتَوَكَّأُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؟

قُلْنَا قوله: (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: (حَسْبَكَ اللَّهُ) وَالْمَعْنَى اللَّه حَسْبُكَ، وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت