اعْلَمْ أَنَّ تِلْكَ الْقَرْيَةَ هِيَ أَنْطَاكِيَّةُ وقيل هي الأيلة.
وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
الْأَوَّلُ: إِنَّ الِاسْتِطْعَامَ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْكِرَامِ فَكَيْفَ أَقْدَمَ عَلَيْهِ مُوسَى وَذَلِكَ الْعَالِمُ، لِأَنَّ مُوسَى كَانَ مِنْ عَادَتِهِ عَرْضُ الْحَاجَةِ وَطَلَبُ الطَّعَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى عِنْدَ وُرُودِ مَاءِ مَدْيَنَ: (رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [الْقَصَصِ: 24] .
الْجَوَابُ: أَنَّ إِقْدَامَ الْجَائِعِ عَلَى الِاسْتِطْعَامِ أَمْرٌ مُبَاحٌ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ بَلْ رُبَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ الشَّدِيدِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَالَ: (حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) وَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُقَالَ اسْتَطْعَمَا مِنْهُمْ؟
وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّكْرِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَيْتَ الْغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعِبُ دَائِمًا ... كَانَ الْغُرَابُ مُقَطَّعَ الْأَوْدَاجِ
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: إِنَّ الضِّيَافَةَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ فَتَرْكُهَا تَرْكٌ لِلْمَنْدُوبِ وَذَلِكَ أَمْرٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ عُلُوِّ مَنْصِبِهِ أَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمُ الْغَضَبَ الشَّدِيدَ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَرَكَ الْعَهْدَ الَّذِي الْتَزَمَهُ مَعَ ذَلِكَ الْعَالِمِ فِي قَوْلِهِ: (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي) ؟
وَأَيْضًا مِثْلُ هَذَا الْغَضَبِ لِأَجْلِ تَرْكِ الْأَكْلِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَلِيقُ بِأَدْوَنِ النَّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلِيمِ اللَّهِ؟
الْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُهُ الضِّيَافَةُ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ
قُلْنَا: قَدْ تَكُونُ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ بِأَنْ كَانَ الضَّيْفُ قَدْ بَلَغَ فِي الْجُوعِ إِلَى حَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ لَهَلَكَ وَإِذَا كَانَ التَّقْدِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَكُنِ الْغَضَبُ الشَّدِيدُ لِأَجْلِ تَرْكِ الْأَكْلِ يَوْمًا.
فَإِنْ قَالُوا: مَا بَلَغَ فِي الْجُوعِ إِلَى حَدِّ الْهَلَاكِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) وَكَانَ يَطْلُبُ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ الْجِدَارِ أُجْرَةً، وَلَوْ كَانَ قَدْ بَلَغَ فِي الْجُوعِ إِلَى حَدِّ الْهَلَاكِ لَمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُ طَلَبُ الْأُجْرَةِ قُلْنَا لَعَلَّ ذَلِكَ الْجُوعَ كَانَ شَدِيدًا إِلَّا أَنَّهُ مَا بَلَغَ حَدَّ الْهَلَاكِ.