إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مُحَمَّدًا، فَلَوْ قَالَ مَا زَاغَ قَلْبُهُ كَانَ يَحْصُلُ بِهِ فَائِدَةُ قَوْلِهِ (مَا زاغَ الْبَصَرُ) ؟
نَقُولُ لَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَحْضُرُ عِنْدَ مَلِكٍ عَظِيمٍ يَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَهَابُهُ وَيَرْتَجِفُ إِظْهَارًا لِعَظَمَتِهِ مَعَ أَنَّ قَلْبَهُ قَوِيٌّ، فَإِذَا قَالَ: (مَا زاغَ الْبَصَرُ) يَحْصُلُ مِنْهُ فَائِدَةُ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عَظِيمًا، وَلَمْ يَزِغْ بَصَرُهُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ صَاحِبِ الْبَصَرِ.
* وَفِيهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (مَا زَاغَ وَمَا طَغَى) وَلَمْ يَقُلْ: مَا مَالَ وَمَا جَاوَزَ، لِأَنَّ الْمَيْلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالْمُجَاوَزَةَ مَذْمُومَانِ، فَاسْتَعْمَلَ الزَّيْغَ وَالطُّغْيَانَ فِيهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيَانًا لِوُصُولِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سِدْرَةِ الْيَقِينِ الَّذِي لَا يَقِينَ فَوْقَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بَصَرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا زَاغَ) أَيْ مَا مَالَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَرَ الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى عَيْنِ الشَّمْسِ مَثَلًا، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ أَبْيَضَ، فَإِنَّهُ يَرَاهُ أَصْفَرَ أَوْ أَخْضَرَ يَزِيغُ بَصَرُهُ عَنْ جَادَّةِ الْأَبْصَارِ وَما طَغى مَا تَخَيَّلَ المعدوم موجودا فرأى المعدوم مجاوزا الحد.