(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ...(25)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ نُكِّرَتِ الْجَنَّاتُ وَعُرِّفَتِ الْأَنْهَارُ؟
الْجَوَابُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْجَنَّةَ اسْمٌ لِدَارِ الثَّوَابِ كُلِّهَا وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَنَّاتٍ كَثِيرَةٍ مُرَتَّبَةٍ مَرَاتِبَ عَلَى حَسَبِ اسْتِحْقَاقَاتِ الْعَامِلِينَ لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنْهُمْ جَنَّاتٌ مِنْ تِلْكَ الْجَنَّاتِ، وَأَمَّا تَعْرِيفُ الْأَنْهَارِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ كَمَا يُقَالُ لِفُلَانٍ بُسْتَانٌ فِيهِ الْمَاءُ الْجَارِي وَالتِّينُ وَالْعِنَبُ يُشِيرُ إِلَى الْأَجْنَاسِ الَّتِي فِي عِلْمِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ يُشَارُ بِاللَّامِ إِلَى الْأَنْهَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) .
وهاهنا سؤالات:
السؤال الأول: ما وقع مِنْ ثَمَرَةٍ؟
الْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: هُوَ كَقَوْلِكَ كُلَّمَا أَكَلْتُ مِنْ بُسْتَانِكَ مِنَ الرُّمَّانِ شَيْئًا حَمِدْتُكَ فَمَوْقِعُ مِنْ ثَمَرَةٍ مَوْقِعُ قَوْلِكَ من الرمان فمن الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ كِلْتَاهُمَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، لِأَنَّ الرِّزْقَ قَدِ ابْتَدَأَ مِنَ الْجَنَّاتِ وَالرِّزْقَ مِنَ الْجَنَّاتِ قَدِ ابْتَدَأَ مِنْ ثَمَرَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالثَّمَرَةِ التُّفَّاحَةَ الْوَاحِدَةَ أَوِ الرُّمَّانَةَ الْفَرْدَةَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ.
الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ثَمَرَةٍ بَيَانًا عَلَى مِنْهَاجِ قَوْلِكَ رَأَيْتُ مِنْكَ أَسَدًا تُرِيدُ أَنْتَ أَسَدٌ، وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالثَّمَرَةِ النَّوْعُ مِنَ الثَّمَرَةِ أَوِ الْحَبَّةُ الْوَاحِدَةُ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَقُولُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا الْآنَ هُوَ الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ، الْجَوَابُ: لَمَّا اتَّحَدَ
فِي الْمَاهِيَّةِ وَإِنْ تَغَايَرَ بِالْعَدَدِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ هَذَا هُوَ ذَاكَ أَيْ بِحَسَبِ الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّ الْوَحْدَةَ النَّوْعِيَّةَ لَا تُنَافِيهَا الْكَثْرَةُ بِالشَّخْصِ وَلِذَلِكَ إِذَا اشْتَدَّتْ مُشَابَهَةُ الِابْنِ بِالْأَبِ قَالُوا إنه الأب.
السؤال الثالث: فَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَهُوَ مِنْ أَرْزَاقِ الدُّنْيَا، أَمْ من أرزاق الجنة؟ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ شَبَّهُوا رِزْقَهُمُ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِي الْجَنَّةِ بِرِزْقٍ آخَرَ جَاءَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَهُوَ مِنْ أَرْزَاقِ الدُّنْيَا، أَمْ مِنْ أَرْزَاقِ الْجَنَّةِ؟