قوله تعالى: (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى(121)
مِنَ النَّاسِ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَذَا فِي صُدُورِ الْكَبِيرَةِ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَاصِيَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِدًا فِيها) [النِّسَاءِ: 14] وَلَا مَعْنَى لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِلَّا مَنْ فَعَلَ فِعْلًا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْغَوَايَةَ وَالضَّلَالَةَ اسْمَانِ مُتَرَادِفَانِ وَالْغَيَّ ضِدُّ الرُّشْدِ وَمِثْلُ هَذَا الِاسْمِ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْفَاسِقَ الْمُنْهَمِكَ فِي فِسْقِهِ.
أَجَابَ قَوْمٌ عَنِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَقَالُوا: الْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ قَدْ يَكُونُ بِالْوَاجِبِ وَالنَّدْبِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَشَرْتُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ وَلَدِهِ فِي كَذَا فَعَصَانِي، وَأَمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ فَعَصَانِي، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعِصْيَانِ عَلَى آدَمَ لَا لِكَوْنِهِ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ بَلْ لِكَوْنِهِ تَارِكًا لِلْمَنْدُوبِ، فَأَجَابَ الْمُسْتَدِلُّ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَاصِيَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ وَالْعُرْفُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ فَوَجَبَ تَخْصِيصُ اسْمِ الْعَاصِي بِتَارِكِ الْوَاجِبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَارِكُ الْمَنْدُوبِ عَاصِيًا لَوَجَبَ وَصْفُ الْأَنْبِيَاءِ بِأَسْرِهِمْ بِأَنَّهُمْ عُصَاةٌ فِي كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : وصف تَارِكِ الْمَنْدُوبِ بِأَنَّهُ عَاصٍ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا يَطَّرِدُ؟
قُلْنَا: لَمَّا سَلَّمْتَ كَوْنَهُ مَجَازًا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، أَمَّا قَوْلُهُ: أَشَرْتُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ وَلَدِهِ فِي كَذَا فَعَصَانِي وَأَمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ فَعَصَانِي.