مَا الْحِكْمَةُ فِي لَفْظِ (الرَّبِّ) وَإِضَافَةِ الْوَجْهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [الْبَقَرَةِ: 115] وَقَالَ: (يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) [الرُّومِ: 38] ؟
نَقُولُ: الْمُرَادُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُوَ الْعِبَادَةُ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) فَالْمَذْكُورُ هُوَ الزَّكَاةُ قَالَ تَعَالَى مِنْ قَبْلُ: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) [الروم: 38] وَلَفْظُ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى الْعِبَادَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ النِّعَمُ الَّتِي بِهَا تَرْبِيَةُ الْإِنْسَانِ فَقَالَ: (وَجْهُ رَبِّكَ) .
* الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: (رَبِّكَ) مَعَ مَنْ؟
نَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ أَيُّهَا السَّامِعُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَكَيْفَ قَالَ: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) خِطَابًا مَعَ الِاثْنَيْنِ، وَقَالَ: (وَجْهُ رَبِّكَ) خِطَابًا مَعَ الْوَاحِدِ؟
نَقُولُ: عِنْدَ قَوْلِهِ: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى فَنَاءِ كُلِّ أَحَدٍ، وَبَقَاءِ اللَّهِ فَقَالَ (وَجْهُ ربك) أي ياأَيُّهَا السَّامِعُ فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى أَحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَدَاهُ فَانٍ، وَالْمُخَاطِبُ كَثِيرًا مَا يَخْرُجُ عَنِ الْإِرَادَةِ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: لِمَنْ يَشْكُو إِلَيْكَ مِنْ أَهْلِ مَوْضِعٍ سَأُعَاقِبُ لِأَجْلِكَ كُلَّ مَنْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَخْرُجُ الْمُخَاطِبُ عَنِ الْوَعِيدِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَوْضِعِ فَقَالَ: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) لِيُعْلِمَ كُلَّ أَحَدٍ أَنَّ غَيْرَهُ فَانٍ، وَلَوْ قَالَ: وَجْهُ رَبِّكُمَا لَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يُخْرِجُ نَفْسَهُ وَرَفِيقَهُ الْمُخَاطَبَ مِنَ الْفَنَاءِ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ قَالَ: وَيَبْقَى وَجْهُ الرَّبِّ مِنْ غَيْرِ خِطَابٍ كَانَ أَدَلَّ عَلَى فَنَاءِ الْكُلِّ؟
نَقُولُ: كَأَنَّ الْخِطَابَ فِي الرَّبِّ إِشَارَةٌ إِلَى اللُّطْفِ وَالْإِبْقَاءَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَهْرِ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضُعُ بَيَانِ اللُّطْفِ وَتَعْدِيدِ النِّعَمِ، فَلَوْ قَالَ: بِلَفْظِ الرَّبِّ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ، وَفِي لَفْظِ الرَّبِّ عَادَةٌ جَارِيَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الْإِضَافَةِ.
فالعبد يقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) وَ (رَبِّ اغْفِرْ لِي) وَاللَّهُ تعالى يقول: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ) [الدخان: 8] و (رَبِّ الْعالَمِينَ) [الفاتحة: 2] وَحَيْثُ تَرَكَ الْإِضَافَةَ ذَكَرَهُ مَعَ صِفَةٍ أُخْرَى مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) [سَبَأٍ: 15] وَقَالَ تَعَالَى: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: 58] .