فهرس الكتاب

الصفحة 1988 من 2716

(وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ(33) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35)

* الْأَرْضُ آيَةٌ مُطْلَقًا فَلِمَ خَصَّصَهَا بِهِمْ حَيْثُ قَالَ: (وَآيَةٌ لَهُمُ) ؟

نَقُولُ: الْآيَةُ تُعَدَّدُ وَتُسْرَدُ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّيْءَ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ الرُّؤْيَةِ لَا يُذْكَرُ لَهُ دَلِيلٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ وَعِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ عَرَفُوا اللَّهَ قَبْلَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَلَيْسَتِ الْأَرْضُ مُعَرَّفَةً لَهُمْ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فُصِّلَتْ: 53] وَقَالَ: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فُصِّلَتْ: 53] يَعْنِي أَنْتَ كَفَاكَ رَبُّكَ مُعَرِّفًا، بِهِ عَرَفْتَ كُلَّ شَيْءٍ فَهُوَ شَهِيدٌ لَكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ تَبَيَّنَ لهم الحق بالآفاق والأنفس، وكذلك هاهنا آيَةٌ لَهُمْ.

* قال عند ذِكْرِ الْحَبِّ (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) وَفِي الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ قَالَ: (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَبَّ قُوتٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَقَالَ: (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) أَيْ هُمْ آكِلُوهُ، وَأَمَّا الثِّمَارُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ إِنْ كُنَّا مَا أَخْرَجْنَاهَا كَانُوا يَبْقَوْنَ مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ فَأَخْرَجْنَاهَا لِيَأْكُلُوهَا.

* خَصَّصَ النَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ بِالذِّكْرِ مِنْ سَائِرِ الْفَوَاكِهِ لِأَنَّ أَلَذَّ الْمَطْعُومِ الْحَلَاوَةُ، وَهِيَ فِيهَا أَتَمُّ وَلِأَنَّ التَّمْرَ وَالْعِنَبَ قُوتٌ وَفَاكِهَةٌ، وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُهُمَا وَلِأَنَّهُمَا أَعَمُّ نَفْعًا فَإِنَّهَا تُحْمَلُ مِنَ الْبِلَادِ إِلَى الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ.

«فَإِنْ قِيلَ» : فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرُّمَّانَ وَالزَّيْتُونَ فِي الْأَنْعَامِ وَالْقَضْبَ وَالزَّيْتُونَ وَالتِّينَ فِي مَوَاضِعَ؟

نَقُولُ فِي الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا الْمَقْصُودُ ذِكْرُ الْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ أَلَا تَرَى إِلَى قوله تَعَالَى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ) [الأنعام: 99] وَإِلَى قَوْلِهِ: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) [عَبَسَ: 24] فاستوفى الأنواع بالذكر وهاهنا الْمَقْصُودُ ذِكْرُ صِفَاتِ الْأَرْضِ فَاخْتَارَ مِنْهَا الْأَلَذَّ الْأَنْفَعَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْفَوَائِدُ وَيُعْلَمُ مِنْهُ فَائِدَةُ قوله تَعَالَى: (فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرَّحْمَنِ: 68] .

* فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ الْفَوَاكِهَ لَمْ يَذْكُرِ التَّمْرَ بِلَفْظِ شَجَرَتِهِ وَهِيَ النَّخْلَةُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعِنَبَ بِلَفْظِ شَجَرَتِهِ بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْعِنَبِ وَالْأَعْنَابِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَرْمَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِنَبَ شَجَرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثَمَرَتِهِ حَقِيرَةٌ قَلِيلَةُ الْفَائِدَةِ وَالنَّخْلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثَمَرَتِهِ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ كَثِيرَةُ الْجَدْوَى، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الظُّرُوفِ مِنْهَا يُتَّخَذُ وَبِلِحَائِهَا يُنْتَفَعُ وَلَهَا شَبَهٌ بِالْحَيَوَانِ فَاخْتَارَ مِنْهَا مَا هُوَ الْأَعْجَبُ مِنْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت