فهرس الكتاب

الصفحة 2304 من 2716

وَفِي الْآيَةِ تَرْتِيبٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَدَأَ بِبَيَانِ إكرامهم حيث قال: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الشعراء: 90] وَلَمْ يَقُلْ: قُرِّبَ الْمُتَّقُونَ مِنَ الْجَنَّةِ بَيَانًا لِلْإِكْرَامِ حَيْثُ جَعَلَهُمْ مِمَّنْ تُنْقَلُ إِلَيْهِمُ الْجِنَانُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحِسَانِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ هذا لكم، بقوله (هذا ما تُوعَدُونَ) [ق: 32] ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ أَجْرُ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ بِقَوْلِهِ (لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) وقوله (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ) [ق: 33] فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ الَّذِي مَلَكَ شَيْئًا بِعِوَضٍ أَتَمُّ فِيهِ مِنْ تَصَرُّفِ مَنْ مَلَكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ فِي التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، ثم زاد في الإكرام بقوله (ادْخُلُوها) [ق: 34] كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ إِكْرَامٌ، لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ بَابَهُ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَقِفْ بِبَابِهِ مَنْ يُرَحِّبُ الدَّاخِلِينَ، لَا يَكُونُ قَدْ أَتَى بِالْإِكْرَامِ التام، ثم قال: (ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) [ق: 34] أَيْ لَا تَخَافُوا مَا لَحِقَكُمْ مِنْ قَبْلُ حَيْثُ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْهَا، فَهَذَا دُخُولٌ لَا خُرُوجَ بَعْدَهُ مِنْهَا.

ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ قَالَ لَا تَخَافُوا انْقِطَاعَ أَرْزَاقِكُمْ وَبَقَاءَكُمْ فِي حَاجَةٍ، كَمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا مَنْ كَانَ يُعَمَّرُ يُنَكَّسُ وَيَحْتَاجُ، بَلْ لَكُمُ الخلود، ولا ينفد ما تمتعون بِهِ فَلَكُمْ مَا تَشَاءُونَ فِي أَيِّ وَقْتٍ تَشَاءُونَ، وَإِلَى اللَّه الْمُنْتَهَى، وَعِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَا يُوَصَفُ مَا لَدَيْهِ، وَلَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَعَظَمَةُ مَنْ عِنْدَهُ تَدُلُّكَ عَلَى فَضِيلَةِ مَا عِنْدَهُ، هَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت