قَوْلُهُ تعالى: شاهِدًا يحتمل وجوها:
أحدهما: أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [الْبَقَرَةِ: 143] وَعَلَى هَذَا فَالنَّبِيُّ بُعِثَ شَاهِدًا أَيْ مُتَحَمِّلًا لِلشَّهَادَةِ وَيَكُونُ فِي الْآخِرَةِ شَهِيدًا أَيْ مُؤَدِّيًا لِمَا تَحَمَّلَهُ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ شَاهِدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَلَى هَذَا لَطِيفَةٌ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ النَّبِيَّ شَاهِدًا عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالشَّاهِدُ لَا يَكُونُ مُدَّعِيًا فَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلِ النَّبِيَّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ مُدَّعِيًا لَهَا لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مَنْ يَقُولُ شَيْئًا عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَالْوَحْدَانِيَّةُ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فَجَعَلَ اللَّهُ نَفْسَهُ شَاهِدًا لَهُ فِي مُجَازَاةِ كَوْنِهِ شَاهِدًا لِلَّهِ فقال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) [المنافقون: 1]
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ شَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ وَشَاهِدٌ فِي الْآخِرَةِ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ.