«فَإِنْ قِيلَ» : هَلْ كَانَ ذَلِكَ النِّدَاءُ بِأَمْرِ يُوسُفَ أَوْ مَا كَانَ بِأَمْرِهِ؟
فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّه أَنْ يَتَّهِمَ أَقْوَامًا وَيَنْسُبَهُمْ إِلَى السَّرِقَةِ كَذِبًا وَبُهْتَانًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ مَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ فَهَلَّا أَنْكَرَهُ وَهَلَّا أَظْهَرَ بَرَاءَتَهُمْ عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ؟
قُلْنَا: الْعُلَمَاءُ ذَكَرُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَظْهَرَ لِأَخِيهِ أَنَّهُ يُوسُفُ قَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أن أحبسك هاهنا، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِهَذِهِ الْحِيلَةِ فَإِنْ رَضِيتَ بِهَا فَالْأَمْرُ لَكَ فَرَضِيَ بِأَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَتَأَلَّمْ قَلْبُهُ بِسَبَبِ هَذَا الْكَلَامِ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ إِلَّا أَنَّهُمْ مَا أَظْهَرُوا هَذَا الْكَلَامَ وَالْمَعَارِيضُ لَا تَكُونُ إِلَّا كَذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ الْمُؤَذِّنَ رُبَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ النِّدَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا.
الرَّابِعُ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُمْ نَادُوا بِذَلِكَ النِّدَاءِ عَنْ أَمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْأَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ الْحَالِ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمَّا طَلَبُوا السِّقَايَةَ وَمَا وَجَدُوهَا وَمَا كَانَ هُنَاكَ أَحَدٌ إِلَّا هُمْ غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَخَذُوهَا.