فهرس الكتاب

الصفحة 723 من 2716

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يَقِينُ عَدَمِ الْقَتْلِ، وَالْآخَرُ يَقِينُ عَدَمِ الْفِعْلِ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَاكُّونَ فِي أَنَّهُ هَلْ قَتَلُوهُ أَمْ لَا، ثُمَّ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا بِأَنَّ الْيَقِينَ حَاصِلٌ بِأَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ شَاكُّونَ في أنه هل قتلوه؟

ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَتَلُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي قَتَلُوهُ لَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ عِيسَى عليه السلام، بل حين ما قَتَلُوهُ كَانُوا شَاكِّينَ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ عِيسَى أَمْ لَا، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْدَهُ (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) وَهَذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا تَقَدَّمَ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ بِعَدَمِ الْقَتْلِ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)

وَالْمُرَادُ مِنَ الْعِزَّةِ كَمَالُ الْقُدْرَةِ، وَمِنَ الْحِكْمَةِ كَمَالُ الْعِلْمِ، فَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ رَفْعَ عيسى من الدنيا إلى السماوات وَإِنْ كَانَ كَالْمُتَعَذِّرِ عَلَى الْبَشَرِ لَكِنَّهُ لَا تَعَذُّرَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِي وَإِلَى حِكْمَتِي، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الْإِسْرَاءِ: 1] فَإِنَّ الْإِسْرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ مُحَمَّدٍ إِلَّا أَنَّهُ سَهْلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت