فهرس الكتاب

الصفحة 1518 من 2716

قوله تعالى: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى(40)

«فَإِنْ قِيلَ» : لَوْ قَالَ كَيْ لَا تَحْزَنَ وَتَقَرَّ عَيْنُهَا كَانَ الْكَلَامُ مُفِيدًا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحُزْنِ حُصُولُ السُّرُورِ لَهَا، وَأَمَّا لَمَّا قَالَ أَوَّلًا (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) كَانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: (وَلا تَحْزَنَ) فَضْلًا لِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ السُّرُورُ وَجَبَ زَوَالُ الْغَمِّ لَا مَحَالَةَ؟

قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّهُ تَقَرُّ عَيْنُهَا بِسَبَبِ وُصُولِكَ إِلَيْهَا فَيَزُولُ عَنْهَا الْحُزْنُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُصُولِ لَبَنِ غَيْرِهَا إِلَى بَاطِنِكَ.

قَوْلُهُ: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا)

وهاهنا سُؤَالَانِ.

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَدَّدَ أَنْوَاعَ مِنَنِهِ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ قَوْلُهُ: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) .

الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِتْنَةَ تَشْدِيدُ الْمِحْنَةِ، يُقَالُ فُتِنَ فُلَانٌ عَنْ دِينِهِ إِذَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْمِحْنَةُ حَتَّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قَالَ تَعَالَى: (فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ) [الْعَنْكَبُوتِ: 10] وَقَالَ تَعَالَى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) [الْعَنْكَبُوتِ: 1 - 3] وَقَالَ: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ) [الْبَقَرَةِ: 214] فَالزَّلْزَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ وَمَسُّ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ هِيَ الْفِتْنَةُ وَالْفُتُونُ، وَلَمَّا كَانَ التَّشْدِيدُ فِي الْمِحْنَةِ مِمَّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوَابِ لَا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ.

وثانيها: (فَتَنَّاكَ فُتُونًا) أَيْ خَلَّصْنَاكَ تَخْلِيصًا مِنْ قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الْفِضَّةِ إِذَا أَرَدْتَ تَخْلِيصَهُ وَسَأَلَ سعيد بن جبير ابن عَبَّاسٍ عَنِ الْفُتُونِ فَقَالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهَارًا يَا ابْنَ جُبَيْرٍ.

ثُمَّ لَمَّا أَصْبَحَ أَخْذَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِي شَأْنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وَقَتْلَهُ أَوْلَادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ قِصَّةَ إِلْقَاءِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْيَمِّ وَالْتِقَاطَ آلِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُ وَامْتِنَاعَهُ مِنَ الِارْتِضَاعِ مِنَ الْأَجَانِبِ، ثُمَّ قِصَّةَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ وَوَضْعَهُ الْجَمْرَةَ فِي فِيهِ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ، ثُمَّ هَرَبَهُ إِلَى مَدْيَنَ وَصَيْرُورَتَهُ أَجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ عَوْدَهُ إِلَى مِصْرَ وَأَنَّهُ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ وَاسْتِئْنَاسَهُ بِالنَّارِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا يَقُولُ هَذَا مِنَ الْفُتُونِ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلْ يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمُ الْفَتَّانِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ اشْتِقَاقًا مِنْ قَوْلِهِ: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) ؟

وَالْجَوَابُ لَا لِأَنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ فِي الْعُرْفِ وَأَسْمَاءُ اللَّه تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ لَا سِيَّمَا فِيمَا يُوهِمُ مَا لَا يَنْبَغِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت