قوله تعالى: (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ(87)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُ قَرِيبٍ مِنْ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ الْمُكَلَّفِينَ عَنِ الدِّينِ الْحَقِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً إِلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ الَّذِي يُعْرَفُ فَسَادُهَا بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ لَمَّا فَارَقُوا الدِّينَ وَأَظْهَرُوا الْكُفْرَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُهُمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ بِسَبَبِ رُجُوعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ إِلَيْهِمْ؟
قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي حَقِّ الْبُلْهِ مِنَ النَّاسِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (فَقالُوا هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) فَفِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا فِي الْجَهَالَةِ بِحَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ الْعِجْلَ المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسماوات وَالْأَرْضِ فَهُمْ مَجَانِينُ وَلَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجُنُونِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ مُحَالٌ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ قَالُوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى؟
وَجَوَابُهُ: لَعَلَّهُمْ كَانُوا مِنَ الْحُلُولِيَّةِ فَجَوَّزُوا حُلُولَ الْإِلَهِ أَوْ حُلُولَ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ فِي ذَلِكَ الْجِسْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لِأَنَّ ظُهُورَ الْخُوَارِ لَا يُنَاسِبُ الْإِلَهِيَّةَ، وَلَكِنْ لَعَلَّ الْقَوْمَ كَانُوا فِي نِهَايَةِ الْبَلَادَةِ وَالْجَلَافَةِ.