قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ وَقِهِمْ عَذَابَ السَّيِّئَاتِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا فرق بين قوله (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) وبين ما تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ (وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ الْخَالِي عَنِ الْفَائِدَةِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؟
قُلْنَا بَلِ التَّفَاوُتُ حَاصِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ دعاء مذكور لِلْأُصُولِ وَقَوْلُهُ (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) دُعَاءً مَذْكُورًا لِلْفُرُوعِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) مَقْصُورًا عَلَى إِزَالَةِ الْجَحِيمِ وَقَوْلُهُ (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) يَتَنَاوَلُ عَذَابَ الْجَحِيمِ وَعَذَابَ مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ وَعَذَابَ الْحِسَابِ وَالسُّؤَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) هُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ طَلَبُوا إِزَالَةَ عَذَابِ النَّارِ بِقَوْلِهِمْ (وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) وَطَلَبُوا إِيصَالَ ثَوَابِ الْجَنَّةِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ (وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ) ثُمَّ طَلَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَصُونَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا عَنِ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْفَاسِدَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) ثُمَّ قَالُوا (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) يعني ومن يتق السَّيِّئَاتِ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ رَحِمْتَهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالُوا (وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) حَيْثُ وَجَدُوا بِأَعْمَالٍ مُنْقَطِعَةٍ نَعِيمًا لَا يَنْقَطِعُ، وَبِأَعْمَالٍ حَقِيرَةٍ مُلْكًا لَا تَصِلُ الْعُقُولَ إِلَى كنه جلالته.