فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 2716

لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ قَوْلَهُ (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) مَعْنَاهُ فَإِنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالَتَهُ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا الْكَلَامِ؟

أَجَابَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْ وَاحِدًا مِنْهَا كُنْتَ كَمَنْ لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئًا مِنْهَا، وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِالْبَعْضِ وَتَرَكَ الْبَعْضَ لَوْ قِيلَ: إِنَّهُ تَرَكَ الْكُلَّ لَكَانَ كَذِبًا وَلَوْ قِيلَ أَيْضًا: إِنَّ مِقْدَارَ الْجُرْمِ فِي تَرْكِ الْبَعْضِ مِثْلُ مِقْدَارِ الْجُرْمِ فِي تَرْكِ الْكُلِّ فَهُوَ أَيْضًا مُحَالٌ مُمْتَنِعٌ، فَسَقَطَ هَذَا الْجَوَابُ.

وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا خَرَجَ عَلَى قَانُونِ قَوْلِهِ:

أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي

وَمَعْنَاهُ أَنَّ شِعْرِي قَدْ بَلَغَ فِي الْكَمَالِ وَالْفَصَاحَةِ إِلَى حَيْثُ مَتَى قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ شِعْرِي فَقَدِ انْتَهَى مَدْحُهُ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا، فَهَذَا الْكَلَامُ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ التَّامَّةَ مِنْ هَذَا الوجه، فكذا هاهنا:

(فَإِنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالَتَهُ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ تَرْكُ التَّبْلِيغِ بِتَهْدِيدٍ أَعْظَمَ مِنْ أَنَّهُ تَرَكَ التَّبْلِيغَ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى غَايَةِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ واللَّه أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت