فهرس الكتاب

الصفحة 1666 من 2716

وَثَالِثَ عَشَرَهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا قَالَ: (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا، وَالْغَفُورُ مُبَالَغَةٌ فِي الْغُفْرَانِ، فَعَظَّمَ أَبَا بَكْرٍ حَيْثُ خَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الدال عَلَى التَّعْظِيمِ، وَعَظَّمَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ حَيْثُ وَصَفَهُ بِمُبَالَغَةِ الْغُفْرَانِ، وَالْعَظِيمُ إِذَا عَظَّمَ نَفْسَهُ ثُمَّ عَظَّمَ مُخَاطِبَهُ فَالْعَظَمَةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ لِأَجْلِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ فِي غَايَةِ التَّعْظِيمِ، وَلِهَذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا قَالَ: (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) [الْكَوْثَرِ: 1] وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعَطِيَّةُ عَظِيمَةً، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَنْقَبَةِ أَيْضًا.

وَرَابِعَ عَشَرَهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لما وصفه بأنه أولوا الْفَضْلِ وَالسَّعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَدْحِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ كَانَ خَالِيًا عَنِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْمَمْدُوحَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا لَكَانَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِدًا فِيها) [النِّسَاءِ: 14] وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ خَالِيًا عَنِ الْمَعَاصِي فَقَوْلُهُ: (يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ غُفْرَانَ مَعْصِيَةٍ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي لَا تَكُونُ لَا يُمْكِنُ غُفْرَانُهَا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ واللَّه أَعْلَمُ: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ لِأَجْلِ تَعْظِيمِكُمْ هَؤُلَاءِ الْقَذَفَةَ الْعُصَاةَ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْآيَةِ إِلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْ قَبِلْتَ هَؤُلَاءِ الْعُصَاةَ فَأَنَا أَيْضًا أَقْبَلُهُمْ وَإِنْ رَدَدْتَهُمْ، فَأَنَا أَيْضًا أَرُدُّهُمْ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْطَاهُ مَرْتَبَةَ الشَّفَاعَةِ فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا مَا حَضَرَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ واللَّه أَعْلَمُ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ تَقْدَحُ فِي فَضِيلَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ هَذَا الْحَلِفِ فَدَلَّ عَلَى صُدُورِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ؟

قُلْنَا الْجَوَابُ: عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الْأَحْزَابِ: 48] وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَطَاعَهُمْ بَلْ دَلَّتِ الْأَخْبَارُ الظَّاهِرَةُ عَلَى صُدُورِ هَذَا الْحَلِفِ مِنْهُ، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا تَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى قَوْلِكُمْ.

وَثَانِيهَا: هَبْ أَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَلِفُ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ كَانَ مَعْصِيَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنَ التَّفَضُّلِ قَدْ يَحْسُنُ خُصُوصًا فِيمَنْ يُسِيءُ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ أَوْ فِي حَقِّ مَنْ يَتَّخِذُهُ ذَرِيعَةً إِلَى الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ لَا يُقَالُ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً لَمَا جَازَ أَنْ يَنْهَى اللَّه عَنْهُ بقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا النَّهْيُ لَيْسَ نَهْيَ زَجْرٍ وَتَحْرِيمٍ بَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ تَرْكِ الْأَوْلَى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ اللَّائِقُ بِفَضْلِكَ وَسَعَةِ هِمَّتِكَ أَنْ لَا تَقْطَعَ هَذَا فَكَانَ هَذَا إِرْشَادًا إِلَى الْأَوْلَى لَا مَنْعًا عَنِ الْمُحَرَّمِ.

المسألة الثَّالِثَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: (أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مِسْطَحٌ لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا لِأَبِي بَكْرٍ وَكَانَ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الذَّنْبِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَذَفَ كَمَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَدَّهُ وَأَنَّهُ تَابَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ تَارِكًا لِلنُّكْرِ وَمِظْهِرًا لِلرِّضَا، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَهُوَ ذَنْبٌ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى بُطْلَانِ الْمُحَابَطَةِ وَقَالُوا إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّه بَعْدَ أَنْ أَتَى بِالْقَذْفِ، وَهَذِهِ صِفَةُ مَدْحٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ كَوْنِهِ مُهَاجِرًا لَمْ يُحْبَطْ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْقَذْفِ.

المسألة الْخَامِسَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِسْطَحًا كَانَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ وَثَبَتَ بِالرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ

أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «لَعَلَّ اللَّه نَظَرَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»

فَكَيْفَ صَدَرَتِ الْكَبِيرَةُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَدْرِيًّا؟

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ الْمَعَاصِي فَيَأْمُرُ بِهَا أَوْ يُقِيمُهَا لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ التَّكْلِيفَ كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِمْ لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ لَاقْتَضَى زَوَالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا جَازَ أَنْ يُحَدَّ مِسْطَحٌ عَلَى مَا فَعَلَ وَيُلْعَنُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَقَدْ علم توبتهم وإنابتهم قال افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَأَعْطَيْتُكُمُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ فِي الْجَنَّةِ.

الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُوَافُونَ بِالطَّاعَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ لِعِلْمِي بِأَنَّكُمْ تَمُوتُونَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ فَذَكَرَ حَالَهُمْ فِي الْوَقْتِ وَأَرَادَ الْعَاقِبَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت