(فصل)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»
فَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْبَيَانِ سِحْرًا لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُوَضِّحُ الشَّيْءَ الْمُشْكِلَ وَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِحُسْنِ بَيَانِهِ وَبَلِيغِ عِبَارَتِهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمِّيَ مَا يُوَضِّحُ الْحَقَّ وَيُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا؟
وَهَذَا الْقَائِلُ إِنَّمَا قَصَدَ إِظْهَارَ الْخَفِيِّ لَا إِخْفَاءَ الظَّاهِرِ، وَلَفْظُ السِّحْرِ إِنَّمَا يُفِيدُ إِخْفَاءَ الظَّاهِرِ؟
قُلْنَا: إِنَّمَا سَمَّاهُ سِحْرًا لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لِلُطْفِهِ وَحُسْنِهِ اسْتَمَالَ الْقُلُوبَ فَأَشْبَهَ السِّحْرَ الَّذِي يَسْتَمِيلُ الْقُلُوبَ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ سُمِّيَ سِحْرًا، لَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُقْتَدِرَ عَلَى الْبَيَانِ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى تَحْسِينِ مَا يَكُونُ قَبِيحًا وَتَقْبِيحِ مَا يَكُونُ حَسَنًا فَذَلِكَ يُشْبِهُ السِّحْرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَضَافُوا السِّحْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْزِيهًا لَهُ عَنْهُ: (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَيْضًا قَالَ: (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) وَهَذَا أَيْضًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السِّحْرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ كُفْرًا.
وَحَكَى عَنِ الْمَلَكَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا السِّحْرَ حَتَّى يَقُولَا: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ؟
قُلْنَا: حِكَايَةُ الْحَالِ يَكْفِي فِي صدقها صورة واحدة فتحملها عَلَى سِحْرِ مَنْ يَعْتَقِدُ إِلَهِيَّةَ النُّجُومِ.
* إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الساحرَ لَيْسَ بِكَافِرٍ وَثَبَتَ أَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُقُوعِ فَإِذَا أَتَى السَّاحِرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ إِتْيَانَهُ بِهِ مُبَاحٌ كَفَرَ، لِأَنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْمَحْظُورِ بِكَوْنِهِ مُبَاحًا، وَإِنِ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ، إِنْ قَالَ: إِنِّي سَحَرْتُهُ وَسِحْرِي يَقْتُلُ غَالِبًا، يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَالَ: سَحَرْتُهُ وَسِحْرِي قَدْ يَقْتُلُ وَقَدْ لَا يَقْتُلُ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ قَالَ سَحَرْتُ غَيْرَهُ فَوَافَقَ اسْمَهُ فَهُوَ خَطَأٌ تَجِبُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ إِلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ الْعَاقِلَةُ فحينئذ تَجِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: يُقْتَلُ السَّاحِرُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ سَاحِرٌ وَلَا يُسْتَتَابُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إِنِّي أَتْرُكُ السِّحْرَ وَأَتُوبُ مِنْهُ، فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَاحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دمه وإن شهد شهدان عَلَى أَنَّهُ سَاحِرٌ أَوْ وَصَفُوهُ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ سَاحِرٌ قُتِلَ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَنِّي كُنْتُ أَسْحَرُ مَرَّةً وَقَدْ تَرَكْتُ ذَلِكَ مُنْذُ زَمَانٍ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يُقْتَلْ.