فهرس الكتاب

الصفحة 1067 من 2716

* دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى فَضِيلَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْغَارِ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ الْكُفَّارَ مِنْ أَنْ يُقْدِمُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَاطِعًا عَلَى بَاطِنِ أَبِي بَكْرٍ، بِأَنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُحَقِّقِينَ الصَّادِقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وَإِلَّا لَمَا أَصْحَبَهُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ لَوْ جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، لَخَافَهُ مِنْ أَنْ يَدُلَّ أَعْدَاءَهُ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا لَخَافَهُ مِنْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى قَتْلِهِ فَلَمَّا اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَاطِعًا بِأَنَّ بَاطِنَهُ عَلَى وَفْقِ ظَاهِرِهِ.

الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فِي خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُخْلِصِينَ، وَكَانُوا فِي النَّسَبِ إِلَى شَجَرَةِ رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِأَنْ يَسْتَصْحِبَ أَبَا بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الصَّعْبَةِ الْهَائِلَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ لَا يَخُصَّهُ بِهَذِهِ الصُّحْبَةِ، وَتَخْصِيصُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهَذَا التَّشْرِيفِ دَلَّ عَلَى مَنْصِبٍ عَالٍ لَهُ فِي الدِّينِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَى أَبِي بَكْرٍ فَارَقُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا هُوَ فَمَا سَبَقَ رَسُولَ اللَّهِ كَغَيْرِهِ، بَلْ صَبَرَ عَلَى مُؤَانَسَتِهِ وَمُلَازَمَتِهِ وَخِدْمَتِهِ عِنْدَ هَذَا الْخَوْفِ الشَّدِيدِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْفَضْلَ الْعَظِيمَ.

الرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ ثانِيَ اثْنَيْنِ فجعل ثَانِيَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَالَ كَوْنِهِمَا فِي الْغَارِ، وَالْعُلَمَاءُ أَثْبَتُوا أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ ثَانِيَ مُحَمَّدٍ فِي أَكْثَرِ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُرْسِلَ إِلَى الْخَلْقِ وَعَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ آمَنَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ذَهَبَ وَعَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَالْكُلُّ آمَنُوا عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، فَكَانَ هُوَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثانِيَ اثْنَيْنِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَأَيْضًا كُلَّمَا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقِفُ فِي خِدْمَتِهِ وَلَا يُفَارِقُهُ، فَكَانَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي مَجْلِسِهِ، وَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مَقَامَهُ فِي إِمَامَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت