فهرس الكتاب

الصفحة 1399 من 2716

* بَقِيَ فِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ إِبْلِيسَ هَلْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ) هُوَ إِلَهُ الْعَالَمِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ؟

فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا) [الإسراء: 63] فَكَيْفَ لَمْ يَصِرْ هَذَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ مَانِعًا لَهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ مَعَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ؟

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ هُوَ إِلَهُ الْعَالَمِ، فَكَيْفَ قَالَ: (أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) [الْإِسْرَاءِ: 62] ؟

وَالْجَوَابُ: لَعَلَّهُ كَانَ شَاكًّا فِي الْكُلِّ أَوْ كَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ قَسَمٍ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ.

وَالسُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ تَعَالَى أَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَكَّنَهُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ؟

وَالْحَكِيمُ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا وَعَلِمَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْمَانِعِ؟

وَالْجَوَابُ: أَمَّا مَذْهَبُنَا فَظَاهِرٌ فِي هَذَا الْبَابِ [1] ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَلَهُمْ قَوْلَانِ: قَالَ الْجُبَّائِيُّ: عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ وَسْوَسَةِ إِبْلِيسَ يَكْفُرُونَ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يُوجَدَ إِبْلِيسُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي وُجُودِهِ مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ، وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ وُجُودِهِ مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى أَبْقَاهُ تَشْدِيدًا لِلتَّكْلِيفِ عَلَى الْخَلْقِ لِيَسْتَحِقُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّشْدِيدِ مَزِيدَ الثَّوَابِ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَالْحِجْرِ، وَبَالَغْنَا فِي الْكَشْفِ عَنْهُمَا، وَاللَّهُ أعلم.

[1] قد يقال في الجواب عن ذلك بأن الله تعالى (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . وقد يكون ذلك للابتلاء والامتحان. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت