فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 2716

أَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَهُ عَامِدًا فَهَهُنَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أحدها: أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ كَانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا القول وعلته.

الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً مَعَ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نبيًا، وقد عرفت فساد هذا الْقَوْلُ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَهُ عَمْدًا، لَكِنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْوَجَلِ وَالْفَزَعِ وَالْإِشْفَاقِ مَا صَيَّرَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا بَاطِلٌ بِالدَّلَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّ الْمُقْدِمَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَمْدًا وَإِنْ فَعَلَهُ مَعَ الْخَوْفِ إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ عَاصِيًا مُسْتَحِقًّا لِلَّعْنِ وَالذَّمِّ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَلَا يَصِحُّ وَصْفُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِالنِّسْيَانِ فِي قَوْلِهِ: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: 115] ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْعَمْدِيَّةَ.

الْقَوْلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْدَمَ عَلَى الْأَكْلِ بِسَبَبِ اجْتِهَادٍ أَخْطَأَ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الذَّنْبِ كَبِيرَةً، بَيَانُ الِاجْتِهَادِ الْخَطَأِ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَلَفْظُ هذِهِ قَدْ يُشَارُ بِهِ إِلَى الشَّخْصِ، وَقَدْ يُشَارُ بِهِ إِلَى النَّوْعِ،

وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ حَرِيرًا وَذَهَبًا بِيَدِهِ وَقَالَ: «هَذَانِ حِلٌّ لِإِنَاثِ أُمَّتِي حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِهِمْ» ،

وَأَرَادَ بِهِ نَوْعَهُمَا.

وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصلاة والسلام توضأ مرة مَرَّةً وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ»

وَأَرَادَ نَوْعَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) [البقرة: 35] ) [الأعراف: 19] ظَنَّ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ، فَتَرَكَهَا وَتَنَاوَلَ مِنْ شَجَرَةٍ أُخْرَى مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كَلِمَةِ هذِهِ كَانَ النَّوْعَ لَا الشَّخْصَ وَالِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ، إِذَا كَانَ خَطَأً لَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ وَاللَّعْنِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَغِيرَةً مَغْفُورَةً كَمَا فِي شَرْعِنَا.

«فَإِنْ قِيلَ» : الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ كَلِمَةَ (هَذَا) فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الشَّيْءِ الْحَاضِرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت