فهرس الكتاب

الصفحة 1945 من 2716

* اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فِي حَقِّ دَاوُودَ، وَثَلَاثَةً فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَالْجِبَالُ الْمُسَخَّرَةُ لِدَاوُودَ مِنْ جِنْسِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمَانَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّقِيلَ مَعَ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ إِذَا تَحَرَّكَا يَسْبِقُ الْخَفِيفُ الثَّقِيلَ وَيَبْقَى الثَّقِيلُ مَكَانَهُ، لَكِنَّ الْجِبَالَ كَانَتْ أَثْقَلَ مِنَ الْآدَمِيِّ وَالْآدَمِيُّ أَثْقَلُ مِنَ الرِّيحِ فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ سَارَ الثَّقِيلُ مَعَ الْخَفِيفِ أَيِ الْجِبَالُ مَعَ دَاوُودَ عَلَى مَا قُلْنَا (أَوِّبِي) أَيْ سِيرِي وَسُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ مَعَ الرِّيحِ الثَّقِيلُ مَعَ الْخَفِيفِ أَيْضًا، وَالطَّيْرُ مِنْ جِنْسِ تَسْخِيرِ الْجِنِّ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ مَعَ الْإِنْسَانِ، الطَّيْرُ لِنُفُورِهِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْإِنْسُ لِنُفُورِهِ مِنَ الْجِنِّ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَتَّقِي مَوَاضِعَ الْجِنِّ، وَالْجِنُّ يَطْلُبُ أَبَدًا اصْطِيَادَ الْإِنْسَانِ وَالْإِنْسَانُ يَطْلُبُ اصْطِيَادَ الطَّيْرِ فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ صَارَ الطَّيْرُ لَا يَنْفِرُ مِنْ دَاوُودَ بَلْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَيَطْلُبُهُ، وَسُلَيْمَانُ لَا يَنْفِرُ مِنَ الْجِنِّ بَلْ يُسَخِّرُهُ وَيَسْتَخْدِمُهُ وَأَمَّا الْقِطْرُ وَالْحَدِيدُ فَتَجَاذُبُهُمَا غَيْرُ خفي وهاهنا لَطِيفَةٌ: وَهِيَ أَنَّ الْآدَمِيَّ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّقِيَ الْجِنَّ وَيَجْتَنِبَهُ وَالِاجْتِمَاعُ بِهِ يُفْضِي إِلَى الْمَفْسَدَةِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) [الْمُؤْمِنُونَ: 97، 98] فَكَيْفَ طَلَبَ سُلَيْمَانُ الِاجْتِمَاعَ بِهِمْ؟

فَنَقُولُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُضُورَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَلَطِيفَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تعالى قال هاهنا: (بِإِذْنِ رَبِّهِ) بِلَفْظِ الرَّبِّ وَقَالَ: (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا) وَلَمْ يَقُلْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّبَّ لَفْظٌ يُنْبِئُ عَنِ الرحمة، فعند ما كَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حِفْظِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: (رَبِّهِ) وعند ما كَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى تَعْذِيبِهِمْ قَالَ: (عَنْ أَمْرِنا) بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ الْمُوجِبِ لِزِيَادَةِ الْخَوْفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت