(فوائد ولطائف)
(الْحَمْدُ)
لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِمَعْهُودٍ سَابِقٍ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنِ الْإِجْمَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّهُ يُفِيدُ الْمَاهِيَّةَ وَالْحَقِيقَةَ فَقَطْ، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَفَادَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَمَدًا وَثَنَاءً فَهُوَ لِلَّهِ وَحَقُّهُ وَمِلْكُهُ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ ألْبَتَّةَ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي: كَانَ معناه أن ماهية الحمد حق الله تَعَالَى وَمِلْكٌ لَهُ، وَذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) يَنْفِي حُصُولَ الْحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ أَنَّ الْمُنْعِمَ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، وَالْأُسْتَاذُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ مِنَ التِّلْمِيذِ وَالسُّلْطَانُ الْعَادِلُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ لَمْ يَحْمَدِ النَّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ؟
قُلْنَا: إِنَّ كُلَّ مَنْ أَنْعَمَ عَلَى غَيْرِهِ بِإِنْعَامٍ فَالْمُنْعِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ تِلْكَ الدَّاعِيَةَ فِي قَلْبِ ذَلِكَ الْمُنْعِمِ وَإِلَّا لَمْ يُقْدِمْ عَلَى ذَلِكَ الْإِنْعَامِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وَسَلَّطَ ذَلِكَ الْمُنْعِمَ عَلَيْهَا وَمَكَّنَ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ لَمَا حَصَلَ الِانْتِفَاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُنْعِمَ فِي الْحَقِيقَةِ هو الله تعالى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ قَوْلَهَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) كَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَحْمُودَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ دَاعِيَةَ الْإِنْعَامِ فِي قَلْبِ الْمُنْعِمِ لَمْ يُنْعِمْ فَيَكُونُ الْمُنْعِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدَّاعِيَةَ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ أَنْعَمَ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الْإِنْعَامِ عِوَضًا إما ثوابًا أو ثناء أو تحصيل حَقٍّ أَوْ تَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِنْ خُلُقِ الْبُخْلِ، وَطَالِبُ الْعِوَضِ لَا يَكُونُ مُنْعِمًا، فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ فِي الْحَقِيقَةِ، أَمَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ كَامِلٌ لِذَاتِهِ، وَالْكَامِلُ لِذَاتِهِ لَا يَطْلُبُ الْكَمَالَ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، فَكَانَتْ عَطَايَاهُ جُودًا مَحْضًا وَإِحْسَانًا مَحْضًا، فَلَا جَرَمَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.