فهرس الكتاب

الصفحة 2243 من 2716

* قَالَ: (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ) حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ الْوَاحِدِ وَقَالَ: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا) عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ جَمْعٌ وَكَذَلِكَ قَالَ مِنْ قَبْلُ (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) [محمد: 14] عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِفْرَادِ (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) عَلَى الْجَمْعِ فَمَا الْوَجْهُ فِيهِ؟

نَقُولُ الْمُسْنَدُ إِلَى (مَنْ) إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا فَرِعَايَةُ اللَّفْظِ أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْمُوعُ، إِذَا كَانَ مَعَ انْفِصَالٍ فَالْعَوْدُ إلى المعنى أولا، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَبْقَى فِي السَّمْعِ، وَالْمَعْنَى يَبْقَى فِي ذِهْنِ السَّامِعِ فَالْحَمْلُ فِي الثَّانِي عَلَى الْمَعْنَى أَوْلَى وَحَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى اللَّفْظِ أَوْلَى.

«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ قَالَ فِي سَائِرِ المواضع (مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا) [سبأ: 37] و (فَمَنْ تابَ ... وَأَصْلَحَ) [المائدة: 39] ؟

نَقُولُ إِذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ مُفْرَدًا أَوْ شَبِيهًا بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى فَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَلِفَا كَمَا ذَكَرْتُ فَإِنَّهُ عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) وَمُعَذَّبٌ فِيهَا لِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ تُنَافِي الْمُخَالَفَةَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ (سُقُوا مَاءً) جُمْلَةٌ غَيْرُ مُشَابِهَةٍ لِقَوْلِهِ (هُوَ خالِدٌ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا) بَيَانٌ لِمُخَالَفَتِهِمْ فِي سَائِرِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَهُمْ أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَلَهُمْ مَاءٌ حَمِيمٌ.

«فَإِنْ قِيلَ» : الْمُشَابَهَةُ الْإِنْكَارِيَّةُ بِالْمُخَالَفَةِ عَلَى مَا ثَبَتَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الْبَعْضَ وَقُلْتُ بِأَنَّ قَوْلَهُ (عَلى بَيِّنَةٍ) فِي مُقَابَلَةِ (زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) و (مِنْ رَبِّهِ) فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) وَالْجَنَّةُ فِي مُقَابَلَةِ النَّارِ فِي قَوْلِهِ (خالِدٌ فِي النَّارِ) وَالْمَاءُ الْحَمِيمُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَنْهَارِ، فَأَيْنَ مَا يُقَابِلُ قَوْلَهُ (وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ) فَنَقُولُ تَقَطُّعُ الْأَمْعَاءِ فِي مُقَابَلَةِ مَغْفِرَةٍ لِأَنَّا بَيَّنَّا عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ هِيَ تَعْرِيَةٌ أَكْلِ الثَّمَرَاتِ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْأَمْرَاضِ وَغَيْرِهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لِلْمُؤْمِنِ أَكْلٌ وَشُرْبٌ مُطَهَّرٌ طَاهِرٌ لَا يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِهِمْ فَيُؤْذِيهِمْ وَيُحْوِجُهُمْ إِلَى قَضَاءِ حَاجَةٍ، وَلِلْكَافِرِ مَاءٌ حَمِيمٌ فِي أَوَّلِ مَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِمْ يَقْطَعُ أَمْعَاءَهُمْ وَيَشْتَهُونَ خُرُوجَهُ مِنْ جَوْفِهِمْ، وَأَمَّا الثِّمَارُ فَلَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَهَا، لِأَنَّ فِي الْجَنَّةِ زِيَادَةٌ مَذْكُورَةٌ فحققها بذكر أمر زائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت