* إِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ هَذَا إِرْشَادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُؤْمِنُ عِنْدَ حُضُورِهِ بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْبَتِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلا تَلْمِزُوا) قِيلَ فِيهِ بِأَنَّهُ الْعَيْبُ خَلْفَ الْإِنْسَانِ وَالْهَمْزُ هُوَ الْعَيْبُ فِي وَجْهِ الْإِنْسَانِ؟
نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْعَكْسُ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَلْبِ الْحُرُوفِ دَلَلْنَ عَلَى الْعَكْسِ، لِأَنَّ لَمَزَ قَلْبُهُ لَزَمَ وَهَمَزَ قَلْبُهُ هَزَمَ، وَالْأَوَّلُ: يَدُلُّ عَلَى الْقُرْبِ، وَالثَّانِي: عَلَى الْبُعْدِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : اللَّمْزُ هُوَ الطَّعْنُ وَالْعَيْبُ فِي الْوَجْهِ كَانَ أَوْلَى مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلا تَنابَزُوا) وَلَمْ يَقُلْ لَا تَنْبِزُوا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّمَّازَ إِذَا لَمَزَ فَالْمَلْمُوزُ قَدْ لَا يَجِدُ فِيهِ فِي الْحَالِ عَيْبًا يَلْمِزُهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْحَثُ وَيَتْبَعُهُ لِيَطَّلِعَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ فَيُوجَدُ اللَّمْزُ مِنْ جَانِبٍ، وَأَمَّا النَّبْزُ فَلَا يَعْجِزُ كُلُّ وَاحِدٍ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ نَبَزَ غَيْرَهُ بالحمار وهو يَنْبِزُهُ بِالثَّوْرِ وَغَيْرِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبْزَ يُفْضِي فِي الْحَالِ إِلَى التَّنَابُزِ وَلَا كَذَلِكَ اللَّمْزُ.