الثَّالِثَةُ: لَمَّا ذَكَرَ الْخَوْفَ ذَكَرَ الْمَقَامَ، وَعِنْدَ الْخَشْيَةِ ذَكَرَ اسْمَهُ الْكَرِيمَ فَقَالَ: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ) وَقَالَ: (لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «خَشْيَةُ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ»
لِأَنَّهُ يَعْرِفُ رَبَّهُ بِالْعَظَمَةِ فَيَخْشَاهُ.
وَفِي مَقَامِ رَبِّهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَقَامُ رَبِّهِ أَيِ الْمَقَامُ الَّذِي يَقُومُ هُوَ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، وَهُوَ مَقَامُ عِبَادَتِهِ كَمَا يُقَالُ: هَذَا مَعْبَدُ اللَّهِ وَهَذَا مَعْبَدُ الْبَارِي أَيِ الْمَقَامُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ الْعَبْدُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: مَقَامُ رَبِّهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اللَّهُ قَائِمٌ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) [الرَّعْدِ: 33] أَيْ حَافِظٌ وَمُطَّلِعٌ أَخْذًا مِنَ الْقَائِمِ عَلَى الشَّيْءِ حَقِيقَةً الْحَافِظِ لَهُ فَلَا يَغِيبُ عَنْهُ.
وَقِيلَ: مَقَامٌ مُقْحَمٌ يُقَالُ: فُلَانٌ يَخَافُ جَانِبَ فُلَانٍ أَيْ يَخَافُ فُلَانًا وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ غَايَةَ الظُّهُورِ بَيْنَ الْخَائِفِ وَالْخَاشِي، لِأَنَّ الْخَائِفَ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَالْخَاشِي لَوْ قِيلَ لَهُ: افْعَلْ مَا تُرِيدُ فَإِنَّكَ لَا تُحَاسَبُ وَلَا تُسْأَلُ عَمَّا تَفْعَلُ لَمَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِ التَّعْظِيمِ، وَالْخَائِفُ رُبَّمَا كَانَ يُقْدِمُ عَلَى مَلَاذِّ نَفْسِهِ لَوْ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ وَكَيْفَ لَا، وَيُقَالُ: خَاصَّةُ اللَّهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ سَابِحُونَ فِي مُطَالَعَةِ جَمَالِهِ غَائِصُونَ فِي بِحَارِ جَلَالِهِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي قَرُبَ الْخَائِفُ مِنَ الْخَاشِي وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ: (جَنَّتانِ)
نَقُولُ: لَمَّا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُجْرِمِ إِنَّهُ يَطُوفُ بَيْنَ نَارٍ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، وَهُمَا نَوْعَانِ ذَكَرَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْخَائِفُ جَنَّتَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ مَا ذَكَرَ فِي حَقِّ الْمُجْرِمِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُمْ يَطُوفُونَ فَيُفَارِقُونَ عَذَابًا وَيَقَعُونَ فِي الْآخَرِ، وَلَمْ يقل: هاهنا يَطُوفُونَ بَيْنَ الْجَنَّتَيْنِ بَلْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مُلُوكًا وَهُمْ فِيهَا يُطَافُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُطَافُ بِهِمُ، احْتِرَامًا لَهُمْ وَإِكْرَامًا فِي حَقِّهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [الرعد: 35] وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ) [الذاريات: 15] أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْجَنَّةَ وَالْجَنَّاتِ، فَهِيَ لِاتِّصَالِ أَشْجَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا وَعَدَمِ وُقُوعِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا كَمَهَامِّهِ وَقِفَارٍ صَارَتْ كَجَنَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِسِعَتِهَا وَتَنَوُّعِ أَشْجَارِهَا وَكَثْرَةِ مَسَاكِنِهَا كَأَنَّهَا جَنَّاتٌ، وَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا تَلْتَذُّ بِهِ الرُّوحُ وَالْجِسْمُ كَأَنَّهَا جَنَّتَانِ، فَالْكُلُّ عائد إلى صفة مدح.