فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 2716

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الَّذِي يُحْمَدُ وَيُمْدَحُ وَيُعَظَّمُ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لِأَحَدِ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ، إِمَّا لِكَوْنِهِ كَامِلًا فِي ذَاتِهِ وَفِي صِفَاتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِحْسَانٌ إِلَيْكَ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إِلَيْكَ وَمُنْعِمًا عَلَيْكَ، وَإِمَّا لِأَنَّكَ تَرْجُو وَصُولَ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ، وَإِمَّا لِأَجْلِ أَنَّكَ تَكُونُ خَائِفًا مِنْ قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَمَالِ سَطْوَتِهِ، فَهَذِهِ الْحَالَاتُ هِيَ الْجِهَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الْكَمَالَ الذَّاتِيَّ فَاحْمَدُونِي فَإِنِّي إِلَهُ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَإِنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الْإِحْسَانَ فَأَنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَأَنَا (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) وَإِنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ فَأَنَا (مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ) .

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهَا أَمْثِلَةً [1] :

الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: لَمَّا وَقَعَتْ قَطْرَةُ النُّطْفَةِ مِنْ صُلْبِ الْأَبِ إِلَى رَحِمِ الْأُمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ أَنَّهَا صَارَتْ عَلَقَةً أَوَّلًا، ثُمَّ مُضْغَةً ثَانِيًا، ثُمَّ تَوَلَّدَتْ مِنْهَا أَعْضَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ الْعِظَامِ وَالْغَضَارِيفِ وَالرِّبَاطَاتِ وَالْأَوْتَارِ وَالْأَوْرِدَةِ وَالشَّرَايِينِ، ثُمَّ اتَّصَلَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ، ثُمَّ حَصَلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُوَى، فَحَصَلَتِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ فِي الْعَيْنِ، وَالسَّامِعَةُ فِي الْأُذُنِ، وَالنَّاطِقَةُ فِي اللِّسَانِ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَسْمَعَ بِعَظْمٍ، وَبَصَّرَ بِشَحْمٍ، وَأَنْطَقَ بِلَحْمٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ كِتَابَ التَّشْرِيحِ لِبَدَنِ الْإِنْسَانِ مَشْهُورٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ.

[1] اقتصرنا على ذكر مثال واحد خشية الملل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت