الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ فَلَوْ قَالَ: إِيَّاكَ أَعْبُدُ لَكَانَ قَدْ ذَكَرَ عِبَادَةَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ عِبَادَةَ غَيْرِهِ، أَمَّا لَمَّا قَالَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) كَانَ قَدْ ذَكَرَ عِبَادَةَ نَفْسِهِ وَعِبَادَةَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا فَكَأَنَّهُ سَعَى فِي إِصْلَاحِ مُهِمَّاتِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَضَى اللَّهُ مُهِمَّاتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ قَضَى لِمُسْلِمٍ حَاجَةً قَضَى اللَّهُ لَهُ جَمِيعَ حاجاته» .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِلْعَبْدِ لَمَّا أَثْنَيْتَ عَلَيْنَا بِقَوْلِكَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَفَوَّضْتَ إِلَيْنَا جَمِيعَ مَحَامِدِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ عَظُمَ قَدْرُكَ عِنْدَنَا وَتَمَكَّنَتْ مَنْزِلَتُكَ فِي حَضْرَتِنَا، فَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى إِصْلَاحِ مُهِمَّاتِكَ وَحْدَكَ، وَلَكِنْ أَصْلِحْ حَوَائِجَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: إِلَهِي مَا بَلَغَتْ عِبَادَتِي إِلَى حَيْثُ أَسْتَحِقُّ أَنْ أَذْكُرَهَا وَحْدَهَا، لِأَنَّهَا مَمْزُوجَةٌ بِجِهَاتِ التَّقْصِيرِ، وَلَكِنِّي أَخْلِطُهَا بِعِبَادَاتِ جَمِيعِ الْعَابِدِينَ، وَأَذْكُرُ الْكُلَّ بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ وأقول إياك نعبد.