إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: تَعْرِيفُ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثَةِ مَذْكُورٌ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَقَوْلُهُ (آمَنَ الرَّسُولُ) إِلَى قَوْلُهُ (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ، وَقَوْلُهُ (وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ الْوَسَطِ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَالِمًا مُشْتَغِلًا بِهَا، مَا دَامَ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ (غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ الْمَعَادِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْرَارِ يُنَوِّرُ الْقَلْبَ وَيَجْذِبُهُ مِنْ ضِيقِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ إِلَى فُسْحَةِ عالم الأفلاك، وأنوار بهجة السماوات.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي النَّظْمِ: أَنَّ الْمَطَالِبَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا: الْبَحْثُ عَنْ حَقَائِقِ الْمَوْجُودَاتِ وَالثَّانِي: الْبَحْثُ عَنْ أَحْكَامِ الْأَفْعَالِ فِي الْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ وَالْحَظْرِ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمُسْتَفَادٌ مِنَ الْعَقْلِ وَالثَّانِي مُسْتَفَادٌ مِنَ السَّمْعِ وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ (سَمِعْنا وَأَطَعْنا) أَيْ سَمْعِنَا قَوْلَهُ وَأَطَعْنَا أَمْرَهُ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الْمَفْعُولَ، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ مُدِحُوا بِهِ.
وَأَقُولُ: هَذَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ النَّحْوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ فِيهِ ظَاهِرًا وَتَقْدِيرًا أَوْلَى لِأَنَّكَ إِذَا جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ: سَمِعْنَا قوله، وأطعنا أمره، فإذن هاهنا قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ قَوْلِهِ، وَأَمْرٌ آخَرُ يُطَاعُ سِوَى أَمْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يُقَدَّرْ فِيهِ ذَلِكَ الْمَفْعُولُ أَفَادَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ قَوْلٌ يَجِبُ سَمْعُهُ إِلَّا قَوْلَهُ وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ يُقَالُ فِي مُقَابَلَتِهِ: أَطَعْنَا إِلَّا أَمْرَهُ فَكَانَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ صُورَةً وَمَعْنًى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.