فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 2716

الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ: أَنْ يَكُونَ هَذَا دُعَاءٌ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذَا الدُّعَاءَ كَانُوا مُتَّقِينَ لِلَّهِ حَقَّ تُقَاتِهِ، فَمَا كَانَ يَصْدُرُ عَنْهُمْ مَا لَا يَنْبَغِي إِلَّا عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ، فَكَانَ وَصْفُهُمْ بِالدُّعَاءِ بِذَلِكَ إِشْعَارًا بِبَرَاءَةِ سَاحَتِهِمْ عَمَّا يُؤَاخَذُونَ بِهِ كَأَنْ قِيلَ: إِنْ كَانَ النِّسْيَانُ مِمَّا تَجُوزُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ فَلَا تُؤَاخِذُنَا بِهِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الْجَوَابِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الدُّعَاءِ إِظْهَارُ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا طَلَبُ الْفِعْلِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الدَّاعِيَ كَثِيرًا مَا يَدْعُو بِمَا يَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُهُ سَوَاءٌ دَعَا أَوْ لَمْ يَدْعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) [الْأَنْبِيَاءِ: 112] وَقَالَ: (رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) [آلِ عِمْرَانَ: 194] وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي دُعَائِهِمْ (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) [غَافِرٍ: 7] فَكَذَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْعِلْمُ بِأَنَّ النِّسْيَانَ مَغْفُورٌ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُسْنِ طَلَبِهِ فِي الدُّعَاءِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ فِي الْجَوَابِ: أَنَّ مُؤَاخَذَةَ النَّاسِي غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَقْلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ بَعْدَ النِّسْيَانِ يَكُونُ مُؤَاخَذًا فَإِنَّهُ بِخَوْفِ الْمُؤَاخَذَةِ يَسْتَدِيمُ الذِّكْرُ، فَحِينَئِذٍ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا أَنَّ اسْتِدَامَةَ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ فِعْلٌ شَاقٌّ عَلَى النَّفْسِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْعُقُولِ، لَا جَرَمَ حَسُنَ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ مِنْهُ بِالدُّعَاءِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا النَّاسِي غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الِاحْتِرَازِ عَنِ الْفِعْلِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعَاقِبَ عَلَيْهِ لَمَا طَلَبَ بِالدُّعَاءِ تَرْكَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ النِّسْيَانِ، أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّرْكِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: 115] وَقَالَ تَعَالَى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التَّوْبَةِ: 67] أَيْ تَرَكُوا الْعَمَلَ لِلَّهِ فَتَرَكَهُمْ، وَيَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: لَا تَنْسَنِي مِنْ عَطِيَّتِكَ، أَيْ لَا تَتْرُكْنِي، فَالْمُرَادُ بِهَذَا النِّسْيَانِ أَنْ يَتْرُكَ الْفِعْلَ لتأويل فاسد، والمراد بالخطإ، أن يفعل لتأويل فاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت