قَوْلُهُ (إِلَّا رَمْزًا)
«فَإِنْ قِيلَ» : الرَّمْزُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ؟
قُلْنَا: لَمَّا أَدَّى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ سُمِّيَ كَلَامًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا فَأَمَّا إِنْ حَمَلْنَا الرَّمْزَ عَلَى الْكَلَامِ الْخَفِيِّ فَإِنَّ الْإِشْكَالَ زَائِلٌ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعَالَى حَبَسَ لِسَانَهُ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَّا رَمْزًا فَأَمَّا فِي الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، فَقَدْ كَانَ لِسَانُهُ جَيِّدًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَغْرِقِينَ فِي بِحَارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَادَتُهُمْ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يُوَاظِبُوا عَلَى الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ مُدَّةً فَإِذَا امْتَلَأَ الْقَلْبُ مِنْ نُورِ ذِكْرِ اللَّهِ سَكَتَ اللِّسَانُ وَبَقِيَ الذِّكْرُ فِي الْقَلْبِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ كَلَّ لِسَانُهُ، فَكَأَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمِرَ بِالسُّكُوتِ وَاسْتِحْضَارِ مَعَانِي الذِّكْرِ والمعرفة واستدامتها.
(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ)
فِي قَوْلِهِ (وَسَبِّحْ) قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمُرَادُ مِنْهُ: وَصَلِّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُسَمَّى تَسْبِيحًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) وَأَيْضًا الصَّلَاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى التَّسْبِيحِ، فَجَازَ تَسْمِيَةُ الصَّلَاةِ بِالتَّسْبِيحِ، وَهَاهُنَا الدَّلِيلُ دَلَّ عَلَى وُقُوعِ هَذَا الْمُحْتَمَلِ وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) فَرْقٌ، وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ لِأَنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَالثَّانِي: وهو أنه شديد الموافقة لقوله تَعَالَى: (أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ)
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ قَوْلَهُ (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) مَحْمُولٌ عَلَى الذكر باللسان.