فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 2716

قَوْلِهِ: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ)

هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعَادِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُخْرِجَ مِنْ صُلْبِ شَخْصٍ وَاحِدٍ أَشْخَاصًا مُخْتَلِفِينَ، وَأَنْ يَخْلُقَ مِنْ قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ شَخْصًا عَجِيبَ التَّرْكِيبِ لَطِيفَ الصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ إِحْيَاءُ الْأَمْوَاتِ وَبَعْثُهُمْ وَنَشُورُهُمْ، فَتَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى الْمَعَادِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النَّجْمِ: 31] .

* قَالَ الْأَصَمُّ: الْفَائِدَةُ فِيهِ: أَنَّ الْعَقْلَ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ ذَلِكَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيًّا مَا قَرَأَ كِتَابًا وَلَا تَلْمَذَ لِأُسْتَاذٍ، فَلَمَّا أَخْبَرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ فَكَانَ مُعْجِزًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: خَلَقَكُمْ دَلِيلٌ عَلَى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وَقَوْلَهُ: مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ دَلِيلٌ عَلَى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ.

«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ أَجْمَعُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَصِغَرِ تِلْكَ النَّفْسِ؟

قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الْمُرَادَ بِذَلِكَ لِأَنَّ زَوْجَ آدَمَ إِذَا خُلِقَتْ مِنْ بَعْضِهِ، ثُمَّ حَصَلَ خَلْقُ أَوْلَادِهِ مِنْ نُطْفَتِهِمَا ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا، جَازَتْ إِضَافَةُ الْخَلْقِ أَجْمَعَ إِلَى آدَمَ.

* أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ الواحدة هاهنا هُوَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَّا أَنَّهُ أَنَّثَ الْوَصْفَ عَلَى لَفْظِ النَّفْسِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) [الْكَهْفِ: 74] وَقَالَ الشَّاعِرُ: أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى ... فَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ

قَالُوا فَهَذَا التَّأْنِيثُ عَلَى لَفْظِ الخليفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت