فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 2716

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الْغَضَبُ: تَغَيُّرٌ يَحْصُلُ عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ لِشَهْوَةِ الِانْتِقَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عَلَى اللَّهِ تعالى محال، لكن هاهنا قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ - أَعْنِي الرَّحْمَةَ، وَالْفَرَحَ، وَالسُّرُورَ، وَالْغَضَبَ، وَالْحَيَاءَ، وَالْغَيْرَةَ، وَالْمَكْرَ وَالْخِدَاعَ، وَالتَّكَبُّرَ، وَالِاسْتِهْزَاءَ - لَهَا أَوَائِلُ، وَلَهَا غَايَاتٌ، وَمِثَالُهُ الْغَضَبُ فَإِنَّ أَوَّلَهُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، وَغَايَتَهُ إِرَادَةُ إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَلَفْظُ الْغَضَبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِهِ الَّذِي هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، بَلْ عَلَى غَايَتِهِ الَّذِي هُوَ إرادة الإضرار، وأيضًا، والحياء لَهُ أَوَّلٌ وَهُوَ انْكِسَارٌ يَحْصُلُ فِي النَّفْسِ، وَلَهُ غَرَضٌ وَهُوَ تَرْكُ الْفِعْلِ، فَلَفْظُ الْحَيَاءِ فِي حَقِّ اللَّهِ يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ لَا عَلَى انْكِسَارِ النَّفْسِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ.

الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ فَاعِلِينَ لِلْقَبَائِحِ بِاخْتِيَارِهِمْ وَإِلَّا لَكَانَ الْغَضَبُ عَلَيْهِمْ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَمَّا ذُكِرَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَأَتْبَعَهُ بِذِكْرِ كَوْنِهِمْ ضَالِّينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عِلَّةٌ لِكَوْنِهِمْ ضَالِّينَ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ صِفَةُ اللَّهِ مُؤَثِّرَةً فِي صِفَةِ الْعَبْدِ، أَمَّا لَوْ قُلْنَا إِنَّ كَوْنَهُمْ ضَالِّينَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ صِفَةُ الْعَبْدِ مُؤَثِّرَةً فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مُحَالٌ.

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَوَّلُ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَدْحِ لَهُ، وَآخِرُهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الذَّمِّ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْإِقْرَارِ بِطَاعَتِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَطْلَعَ الْخَيْرَاتِ وَعُنْوَانَ السَّعَادَاتِ هُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَطْلَعَ الْآفَاتِ وَرَأْسَ الْمَخَافَاتِ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَعْدُ عَنْ طَاعَتِهِ وَالِاجْتِنَابُ عَنْ خِدْمَتِهِ.

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الطَّاعَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وَأَهْلُ الْمَعْصِيَةِ وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وَأَهْلُ الْجَهْلِ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (وَلَا الضَّالِّينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت