فهرس الكتاب

الصفحة 934 من 2716

* «فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) وبين قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) [الرَّحْمَنِ: 39] وَقَوْلِهِ: (وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [الْقَصَصِ: 78] ؟

قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ:

أَحَدُهَا: إِنَّ الْقَوْمَ لَا يُسْأَلُونَ عَنِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ الْكُتُبَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهَا وَلَكِنَّهُمْ يُسْأَلُونَ عَنِ الدَّوَاعِي الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى الْأَعْمَالِ وَعَنِ الصَّوَارِفِ التي صرفتم عَنْهَا.

وَثَانِيهَا: إِنَّ السُّؤَالَ قَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ الِاسْتِرْشَادِ وَالِاسْتِفَادَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ التَّوْبِيخِ وَالْإِهَانَةِ كقول القائم أَلَمْ أُعْطِكَ وَقوله تَعَالَى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ) [يس: 60]

قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَسْأَلُ أَحَدًا لِأَجْلِ الِاسْتِفَادَةِ وَالِاسْتِرْشَادِ وَيَسْأَلُهُمْ لِأَجْلِ تَوْبِيخِ الْكُفَّارِ وَإِهَانَتِهِمْ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) [الصَّافَّاتِ: 27] ثُمَّ قَالَ: (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) [الْمُؤْمِنُونَ: 101] فَإِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْحَاصِلَةَ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَلُومُ بَعْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قول: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) [الْقَلَمِ: 30] وَقَوْلُهُ: (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ وَاللُّطْفِ لِأَنَّ النَّسَبَ يُوجِبُ الْمَيْلَ وَالرَّحْمَةَ وَالْإِكْرَامَ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ وَمَوَاقِفَهَا كَثِيرَةٌ فَأَخْبَرَ عَنْ بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِحُصُولِ السُّؤَالِ وَعَنْ بَعْضِهَا بِعَدَمِ السُّؤَالِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُحَاسِبُ كُلَّ عِبَادِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا أَوْ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ، وَيُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا حِسَابَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْكُفَّارِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت