الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِمُ اللَّامُ لَا يَحْسُنُ دُخُولُهَا عَلَى الْخَبَرِ إِلَّا إِذَا دَخَلَتْ كَلِمَةُ إِنَّ عَلَى الْمُبْتَدَأِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ فَقَالَ: إِنْ وَقَعَتْ مَوْقِعَ نَعَمْ وَاللَّامُ فِي مَوْقِعِهَا وَالتَّقْدِيرُ نَعَمْ هَذَانِ لَهُمَا سَاحِرَانِ فَكَانَتِ اللَّامُ دَاخِلَةً عَلَى الْمُبْتَدَأِ لَا عَلَى الْخَبَرِ.
قَالَ: وَعَرَضْتُ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ فَارْتَضَيَاهُ وَذَكَرَا أَنَّهُ أَجْوَدُ مَا سَمِعْنَاهُ فِي هَذَا.
قَالَ ابْنُ جِنِّي: هَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ إِنَّمَا يَجُوزُ حَذْفُهُ لَوْ كَانَ أَمْرًا مَعْلُومًا جَلِيًّا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ فِي حَذْفِهِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ ضَرْبٌ مِنْ تَكْلِيفِ عِلْمِ الْغَيْبِ لِلْمُخَاطَبِ وَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا فَقَدِ اسْتَغْنَى بِمَعْرِفَتِهِ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِاللَّامِ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِهِ حَاصِلًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَذْفَ مِنْ بَابِ الِاخْتِصَارِ وَالتَّأْكِيدَ مِنْ بَابِ الْإِطْنَابِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ وَلِأَنَّ ذِكْرَ الْمُؤَكَّدِ وَحَذْفَ التَّأْكِيدِ أَحْسَنُ فِي الْعُقُولِ مِنَ الْعَكْسِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: امْتِنَاعُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ مِنْ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ الْعَائِدِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ فِي نَحْوِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ فَلَا يُجِيزُونَ زَيْدٌ ضَرَبْتُ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يُجْعَلَ النَّفْسُ تَوْكِيدًا لِلْهَاءِ الْمُؤَكِّدَةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي ضَرَبْتُ أَيْ ضَرَبْتُهُ لِأَنَّ الْحَذْفَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ التَّحْقِيقِ وَالْعِلْمِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدِ اسْتَغْنَى عَنْ تَأْكِيدِهِ فكذا هاهنا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ جَمِيعَ النَّحْوِيِّينَ حَمَلُوا قَوْلَ الشاعر:
أم الحليس لعجوز شهربه.
عَلَى أَنَّ الشَّاعِرَ أَدْخَلَ اللَّامَ عَلَى الْخَبَرِ ضَرُورَةً وَلَوْ كَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الزَّجَّاجُ جَائِزًا لَمَا عَدَلَ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ وَلَمَا حَمَلُوا الْكَلَامَ عَلَيْهِ عَلَى الِاضْطِرَارِ إِذَا وَجَدُوا لَهُ وَجْهًا ظَاهِرًا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ اعْتِرَاضِ ابْنِ جِنِّي بِأَنَّهُ إِنَّمَا حَسُنَ حَذْفُ الْمُبْتَدَأِ لِأَنَّ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (هَذَانِ) أَمَّا لَوْ حُذِفَ التَّأْكِيدُ فَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَا جَرَمَ كَانَ حَذْفُ الْمُبْتَدَأِ أَوْلَى مِنْ حَذْفِ التَّأْكِيدِ، وَأَمَّا امْتِنَاعُهُمْ مِنْ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِمْ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ نَفْسَهُ فَذَاكَ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْمُظْهَرِ أَوْلَى مِنْ إِسْنَادِهِ إِلَى الْمُضْمَرِ فَإِذَا قَالَ زَيْدٌ: ضَرَبْتُ نَفْسَهُ كَانَ قَوْلُهُ نَفْسَهُ مَفْعُولًا فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع هاهنا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَا لِأَنَّ تَأْكِيدَ الْمَحْذُوفِ مُطْلَقًا مُمْتَنِعٌ