وَأَمَّا قَوْلُهُ: النَّحْوِيُّونَ حَمَلُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ:
أم الحليس لعجوز شهربه.
عَلَى أَنَّ الشَّاعِرَ أَدْخَلَ اللَّامَ عَلَى الْخَبَرِ ضَرُورَةً فَلَوْ جَازَ مَا قَالَهُ الزَّجَّاجُ لَمَا عَدَلَ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ، فَهَذَا اعْتِرَاضٌ فِي نِهَايَةِ السُّقُوطِ لِأَنَّ ذُهُولَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ بَاطِلًا فَمَا أَكْثَرَ مَا ذَهَلَ الْمُتَقَدِّمُ عَنْهُ وَأَدْرَكَهُ الْمُتَأَخِّرُ فَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي شَرْحِ هَذَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ أَنَّ كَلِمَةَ (إِنَّ) ضَعِيفَةٌ فِي الْعَمَلِ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ بِسَبَبِ مُشَابَهَةِ الْفِعْلِ فَوَجَبَ كَوْنُهَا ضَعِيفَةً فِي الْعَمَلِ وَإِذَا ضَعُفَتْ جَازَ بَقَاءُ الْمُبْتَدَأِ عَلَى إِعْرَابِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الرَّفْعُ.
الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: أَنَّهَا تُشْبِهُ الْفِعْلَ وَهَذِهِ الْمُشَابَهَةُ حَاصِلَةٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
أَمَّا اللَّفْظِ فَلِأَنَّهَا تَرَكَّبَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ وَانْفَتَحَ آخِرُهَا وَلَزِمَتِ الْأَسْمَاءَ كَالْأَفْعَالِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّهَا تُفِيدُ حُصُولَ مَعْنًى فِي الِاسْمِ وَهُوَ تَأْكِيدُ مَوْصُوفِيَّتِهِ بِالْخَبَرِ كَمَا أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: قَامَ زَيْدٌ فَقَوْلُكَ قَامَ أَفَادَ حُصُولَ مَعْنًى فِي الِاسْمِ.
الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ الْأَفْعَالَ وَجَبَ أَنْ تُشْبِهَهَا فِي الْعَمَلِ فَذَلِكَ ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى الدَّوَرَانِ.
الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهَا لَمْ تَنْصِبِ الِاسْمَ وَتَرْفَعِ الْخَبَرَ فَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا لَمَّا صَارَتْ عَامِلَةً فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ مَعًا أَوْ تَنْصِبَهُمَا مَعًا أَوْ تَرْفَعَ الْمُبْتَدَأَ وَتَنْصِبَ الْخَبَرَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ كَانَا قَبْلَ دُخُولِ إِنَّ عَلَيْهِمَا مَرْفُوعَيْنِ فَلَوْ بَقِيَا كَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِهَا عَلَيْهِمَا لَمَا ظَهَرَ لَهُ أَثَرٌ ألْبَتَّةَ وَلِأَنَّهَا أُعْطِيَتْ عَمَلَ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا يَرْفَعُ الِاسْمَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِرَاكِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا مُخَالِفٌ لِعَمَلِ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَنْصِبُ شَيْئًا مَعَ خُلُوِّهِ عَمَّا يَرْفَعُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَإِنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ عَمَلُهُ فِي الْفَاعِلِ أَوَّلًا بِالرَّفْعِ وَفِي الْمَفْعُولِ بِالنَّصْبِ فلو جعل النصب هاهنا كَذَلِكَ لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَلَمَّا بَطَلَتِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَعَيَّنَ.