بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد:
فإن الله تعالى قد خلق الجن والإنس لعبادته ، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات .
وهذه العبادة لا تعرف إلا عن طريق الوحي ، لأن الله تعالى هو أدرى بالكيفية التي يريد من عباده أن يعبدوه بها .
وهناك عبادة نظرية وهي الشهادتان ، وأربع عبادات عملية وهي الصلاة والصوم والزكاة والحج ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ"أخرجه البخاري برقم (8) .
وقد قام رجال عظام من هذه الأمة بجمع موسوعة فقهية ضخمة ، اشتملت على جميع فروع الفقه الإسلامي بمعناه الشامل،و على جميع المذاهب الفقهية ، دون تعصب لمذهب أو ميل إليه ، مشفوعة بالأدلة النصية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وقد قامت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت بطبعها على نفقتها ، فجزاهم الله خير الجزاء .
وهذه الموسوعة تعتبر أهم عمل جماعي قام به علماء المسلمين في هذا العصر ، فجزاهم الله تعالى بقدر ما قدموا خيرا.
وهي مرتبة على الأحرف الألف بائية ، مما يسهل الرجوع إليها بسهولة .
وقد طبعت في (( خمسة وأربعين جزءا ) )، ولكن النسخة التي وضعت على النت خالية من التخريج والتعليق ، ومع ذلك فهي من أوثق ما كتب عن الفقه الإسلامي خلال ثلاثة عشر عاما ، والنسخة الأصلية مذيلة بالحواشي الدقيقة . فمن أراد التدقيق فليرجع إلى النسخة المطبوعة أو إلى نسخة الأكروبات في المكتبة الوقفية .
وقد قمت بفصل قسم العبادات من المجلدات الخمس وأربعين ، وأبقيتها مرتبة على الأحرف لسهولة الرجوع إليها ، وقد أخذ هذا العمل وقتا طويلا ، لأنك تحتاج للنظر في جمع المفردات ، وفصلها ، وبعض المفردات متداخلة بين قسم العبادات وغيره ..
وقد أضفت لها بعض الأبحاث من كتب أخرى .كل ذلك في أوقات مختلفة
وقد بلغ عدد المفردات ( 545) خمس مائة وخمسة وأربعون مفردة تبدأ من آبار وتنتهي بالوضوء
فهي مفهرسة بهذه المفردات جميعًا .
لذا أرجو من الله تعالى أن ينفع بها جامعها ، وقارئها ، وناشرها ، والدال عليها
قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (122) سورة التوبة
جمعه الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 20 جمادى الآخرة 1428 هـ الموافق ل 5/7/2007 م
المبحث الأوّل
تعريف الآبار وبيان أحكامها العامّة
1 -الآبار جمع بئر ، مأخوذ من"بأر"أي حفر . ويجمع أيضًا جمع قلّة على أبورً وآبر . وجمع الكثرة منه بئار . وينقل ابن عابدين في حاشيته عن"النّتف »: البئر هي الّتي لها موادّ من أسفلها ، أي لها مياه تمدّها وتنبع من أسفلها . وقال: ولا يخفى أنّه على هذا التّعريف يخرج الصّهريج والجبّ والآبار الّتي تملأ من المطر ، أو من الأنهار ، والّتي يطلق عليها اسم الرّكيّة ( على وزن عطيّة ) كما هو العرف ، إذ الرّكيّة هي البئر ، كما في القاموس . لكن في العرف هي بئر يجتمع ماؤها من المطر ، فهي بمعنى الصّهريج . وفي حاشية البجيرميّ على شرح الخطيب أنّ"البئر"قد تطلق على المكان الّذي ينزل فيه البول والغائط ، وهي الحاصل الّذي تحت بيت الرّاحة . ويسمّى الآن بالخزّان . ويقال عن هذه البئر: بئر الحشّ ، والحشّ هو بيت الخلاء ."
2 -والأصل في ماء الآبار الطّهوريّة ( أي كونه طاهرًا في نفسه مطهّرًا لغيره ) ، فيصحّ التّطهير به اتّفاقًا ، إلاّ إذا تنجّس الماء أو تغيّر أحد أوصافه على تفصيل في التّغيّر يعرف في أحكام المياه . غير أنّ هناك آبارًا تكلّم الفقهاء عن كراهة التّطهير بمائها لأنّها في أرض مغضوب عليها . وهناك من الآبار ما نصّ الفقهاء على اختصاصها بالفضل ، ورتّبوا على ذلك بعض الأحكام .
المبحث الثّاني
حفر الآبار لإحياء الموات وتعلّق حقّ النّاس بمائها
أوّلًا: حفر البئر لإحياء الموات
3 -حفر البئر وخروج الماء منها طريق من طرق الإحياء . وقد أجمع الفقهاء على أنّه إذا تمّ تفجير الماء والانتفاع به في الإنبات ، مع نيّة التّملّك ، يتمّ به الإحياء . وذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ تفجير الماء يتمّ به الإحياء في الجملة ، غير أنّ المالكيّة يشترطون إعلان النّيّة إذا كانت البئر بئر ماشية . والشّافعيّة في الصّحيح يشترطون الغرس إذا كانت البئر لبستان ، كما يشترطون نيّة التّملّك . واشترط بعضهم طيّها ( أي بناء جدرانها ) إذا كانت في أرض رخوة أمّا الحنفيّة فيرون أنّ الإحياء لا يتمّ بتفجير الماء وحده ، وإنّما بالحفر وسقي الأرض . ولا خلاف في أنّ للبئر في الأرض الموات حريمًا ، لحاجة الحفر والانتفاع ، حتّى لو أراد أحد أن يحفر بئرًا في حريمه له أن يمنعه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل للبئر حريمًا . واختلفوا في المقدار الّذي يعتبر حريمًا ، فحدّده الحنفيّة والحنابلة بالأذرع حسب نوع البئر . ويستند المذهبان في ذلك إلى ما ورد من أخبار . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فقدّروه بما لا يضيق على الوارد ، ولا على مناخ إبلها ، ولا مرابض مواشيها عند الورود ، ولا يضرّ بماء البئر . وتفصيل ذلك في مصطلح « إحياء الموات » .
ثانيًا: تعلّق حقّ النّاس بماء الآبار
4 -الأصل في هذه المسألة ما رواه الخلاّل عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أنّه قال: « النّاس شركاء في ثلاث: الماء والكلإ والنّار » . كما روي أنّه صلى الله عليه وسلم: « نهى عن بيع الماء إلاّ ما حمل منه » . والاستثناء يدلّ على أنّ المراد بالماء في الحديث الأوّل غير المحرز . وعلى هذا فمياه الآبار العامّة مباحة ، ولا ملك فيها لأحد ، إلاّ بالاغتراف . وأمّا مياه الآبار الخاصّة فإنّها خرجت عن الإباحة العامّة . ولمّا كانت حاجة الإنسان إلى الماء لشربه وشرب حيوانه ممّا يسمّيه الفقهاء بحقّ الشّفة ماسةً ومتكرّرةً ، كما أنّ أصل الماء قبل جريانه في الملك الخاصّ مباح ، وأنّ مياه الآبار في الأعمّ الأغلب متّصلة بالمجرى العامّ ، أوجد ذلك شبهة الإباحة في ماء الآبار الخاصّة ، لكنّها إباحة قاصرة على حقّ الشّفة دون حقّ الشّرب .
5 -واتّجاهات الفقهاء مختلفة بالنّسبة لملكيّة ماء آبار الدّور والأراضي المملوكة ، وتعلّق حقّ النّاس بها . فقيل بأنّ للنّاس حقًّا فيها . وهو قول عند الحنفيّة إذا لم يوجد ماء قريب في غير ملك أحد ، حتّى لو لم يفض عن حاجته عند أبي حنيفة . وقيّد أكثر المشايخ ذلك بما إذا كان يفيض عن حاجته . وهو مذهب الحنابلة ، لأنّ البئر ما وضع للإحراز ، ولأنّ في بقاء حقّ الشّفة ضرورةً ، ولأنّ البئر تتبع الأرض دون الماء ، ولخبر « النّاس شركاء في ثلاث: الماء والكلإ والنّار » . وهذا هو الظّاهر في مذهب الشّافعيّة إذا كان حفر البئر بقصد الانتفاع بالماء ، أو حفر بقصد التّملّك ، وهو غير المشهور عند المالكيّة في غير آبار الدّور والحوائط المسوّرة . وقيّد ذلك ابن رشد بما إذا كانت البئر في أرض لا يضرّها الدّخول فيها . الاتّجاه الثّاني: أنّه لا يتعلّق به حقّ أحد ، وملكيّته خالصة لصاحبه . وهو قول عند الحنفيّة ، ورواية عن أحمد ، ومذهب المالكيّة بالنّسبة لآبار الدّور والحوائط المسوّرة ، والقول المشهور عندهم بالنّسبة لغيرها من الآبار الخاصّة في الأراضي المملوكة ، والأصحّ عند الشّافعيّة إذا كان يملك المنبع ، أو كان حفرها بقصد التّملّك . فلصاحب البئر على هذا أن يمنع الغير من حقّ الشّفة أيضًا ، وأن يبيع الماء ، لأنّه في حكم المحرز . ويقيّد المنع بغير من خيف عليه الهلاك ، لأنّها حالة ضرورة . وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك ، كالقار والنّفط .
المبحث الثّالث
حدّ الكثرة في ماء البئر وأثر اختلاطه بطاهر وانغماس آدميّ فيه طاهر أو به نجاسة