التّعريف:
1 -الشّهيد لغةً: الحاضر . والشّاهد ، العالم الّذي يبيّن ما علمه ، ومنه قوله تعالى: { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ } .
والشّهيد من أسماء اللّه تعالى ، ومعناه الأمين في شهادته والحاضر .
والشّهيد المقتول في سبيل اللّه ، والجمع شهداء .
قال ابن الأنباريّ سمّي الشّهيد شهيدًا لأنّ اللّه وملائكته شهدوا له بالجنّة . وقيل: لأنّه يكون شهيدًا على النّاس بأعمالهم .
والشّهيد في اصطلاح الفقهاء: من مات من المسلمين في قتال الكفّار وبسببه .
ويلحق به في أمور الآخرة أنواع يأتي بيانها .
منزلة الشّهيد:
2 -الشّهيد له منزلة عالية عند اللّه - سبحانه وتعالى - يشهد بها القرآن الكريم في عدد من الآيات منها: قوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } . وقوله تعالى: { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } .
ويشهد بهذه المنزلة الأحاديث الصّحيحة منها: ما روى أنس بن مالك عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشّهيد يتمنّى أن يرجع إلى الدّنيا فيقتل عشر مرّات لما يرى من الكرامة « .
وما روى أبو الدّرداء - رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » يشفع الشّهيد في سبعين من أهل بيته « .
وفي حديث آخر: » للشّهيد عند اللّه ستّ خصال ، يغفر له في أوّل دفعة ، ويرى مقعده من الجنّة ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منها خير من الدّنيا وما فيها ، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور ، ويشفع في سبعين من أقاربه « .
أقسام الشّهيد:
3 -الشّهيد على ثلاثة أقسام:
الأوّل شهيد الدّنيا والآخرة ، والثّاني شهيد الدّنيا ، والثّالث شهيد الآخرة .
فشهيد الدّنيا والآخرة هو الّذي يقتل في قتال مع الكفّار ، مقبلًا غير مدبر ، لتكون كلمة اللّه هي العليا ، وكلمة الّذين كفروا هي السّفلى ، دون غرض من أغراض الدّنيا .
ففي الحديث عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: » إنّ رجلًا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال مستفهمًا: الرّجل يقاتل للمغنم ، والرّجل يقاتل للذّكر ، والرّجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل اللّه ؟ قال عليه الصلاة والسلام: من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ، فهو في سبيل اللّه « .
أمّا شهيد الدّنيا: فهو من قتل في قتال مع الكفّار وقد غلّ في الغنيمة ، أو قاتل رياءً ، أو لغرض من أغراض الدّنيا .
وأمّا شهيد الآخرة: فهو المقتول ظلمًا من غير قتال ، وكالميّت بداء البطن ، أو بالطّاعون ، أو بالغرق ، وكالميّت في الغربة ، وكطالب العلم إذا مات في طلبه ، والنّفساء الّتي تموت في طلقها، ونحو ذلك .
واستثني من الغريب العاصي بغربته ، ومن الغريق العاصي بركوبه البحر كأن كان الغالب فيه عدم السّلامة ، أو ركوبه لإتيان معصية من المعاصي ، ومن الطّلق الحامل بزنىً .
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: » الشّهداء خمسة: المطعون ، والمبطون ، والغرق ، وصاحب الهدم ، والشّهيد في سبيل اللّه « .
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » الطّاعون شهادة لكلّ مسلم « .
وفي حديث أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: » من قتل دون ماله فهو شهيد « .
غسل الشّهيد والصّلاة عليه:
4 -ذهب جمهور الفقهاء: إلى أنّ شهيد المعترك لا يغسّل ، خلافًا لما ذهب إليه الحسن البصريّ ، وسعيد بن المسيّب ، إذ قالا بغسله .
أمّا الصّلاة عليه فيرى الحنفيّة وجوبها وهو ما قال به الخلال والثّوريّ ، وروي عن أحمد بن حنبل القول باستحبابها .
ويستدلّ الحنفيّة للزوم الصّلاة بما روى ابن عبّاس وابن الزّبير: » أنّه عليه الصلاة والسلام صلّى على شهداء أحد ، وكان يؤتى بتسعة تسعة ، وحمزة عاشرهم ، فيصلّي عليهم . وقالوا: إنّه صلى الله عليه وسلم صلّى على غيرهم « .