التّعريف:
1 -قال أهل اللغة: الزلفة والزلفى: القربة والحظوة , وأزلفه: قرّبه , وفي الحديث:
« ازدلف إلى اللّه بركعتين » ومنه: مزدلفة سمّيت بذلك لاقترابها إلى عرفات .
وقيل: سمّيت بذلك لاجتماع النّاس بها , من قولهم: أزلفت الشّيء جمعته .
وحدها في الاصطلاح: هي مكان بين مأزمي عرفة ووادي محسّر , وبعضهم يقول: ما بين مأزمي عرفة إلى قرن محسّر , فما على يمين ذلك وشماله من الشّعاب فهو منىً .
قال الإمام النّووي: قال أصحابنا: المزدلفة ما بين وادي محسّر ومأزمي عرفة , وليس الحدّان منها , ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشّعاب القوابل والظّواهر والجبال الدّاخلة في الحدّ المذكور .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - منىً:
2 -منىً: موضع قرب مكّة , ويقال: بينه وبين مكّة المكرّمة ثلاثة أميال , ينزله الحجّاج أيّام التّشريق , وسمّي منىً لما يمنى به من الدّماء أي يراق , وأمنى الرّجل أو الحاج بالألف: أتى منىً .
والصّلة بين المزدلفة وبين منىً أنّ كلًا منهما من مناسك الحجّ .
ب - المشعر الحرام:
3 -المَشْعر , بفتح الميم في المشهور وحكي كسرها: جبل صغير آخر مزدلفة , اسمه قزح بضمّ القاف وبالزّاي .
وسمّي مشعرًا: لما فيه من الشّعائر وهي معالم الدّين وطاعة اللّه تعالى , ووصف بالحرام لأنّه يحرم فيه الصّيد وغيره , ويجوز أن يكون معناه ذو الحرمة .
والصّلة بينه وبين مزدلفة أنّه جزء منها , أو جميع المزدلفة وعلى هذا فهو مرادف للمزدلفة .
الأحكام المتعلّقة بمزدلفة:
المبيت في مزدلفة للحاجّ:
4 -اختلف الفقهاء في حكم المبيت في مزدلفة للحاجّ ليلة النّحر .
فذهب جماعة إلى أنّه فرض , ومن هؤُلاء من أئمّة التّابعين: علقمة والأسود والشّعبي والنّخعيّ , والحسن البصري رحمهم اللّه , كما ذهب إليه من أئمّة المذهب الشّافعيّ: أبو عبد الرّحمن ابن بنت الشّافعيّ , وأبو بكر بن خزيمة , والسبكي قالوا: المبيت بمزدلفة فرض أو ركن لا يصح الحج إلّا به , كالوقوف بعرفة .
واحتجوا بالحديث المرويّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: « من فاته المبيت بالمزدلفة فقد فاته الحج » .
وذهب الشّافعيّة في الأصحّ , والحنابلة إلى أنّه واجب وليس بركن , فلو تركه الحاج صحّ حجه وعليه دم , لحديث: « الحج يوم عرفة من جاء قبل الصبح من ليلة جمع فتمّ حجه » , يعني: من جاء عرفة .
5 -ويحصل المبيت بالمزدلفة بالحضور في أيّة بقعة كانت من مزدلفة , لحديث: « مزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسّر » .
كما أنّ هذا المبيت يحصل عند الشّافعيّة والحنابلة بالحضور في مزدلفة في ساعة من النّصف الثّاني من ليلة النّحر , وأنّه لو دفع من مزدلفة بعد نصف اللّيل أجزأه وحصل المبيت ولا دم عليه , سواء كان هذا الدّفع لعذر أو لغير عذر , وأنّه لو دفع من مزدلفة قبل نصف اللّيل ولو بيسير ولم يعد إليها فقد ترك المبيت , فإن عاد قبل طلوع الفجر أجزأه المبيت ولا شيء عليه , ومن لم يوافق مزدلفة إلّا في النّصف الأخير من اللّيل فلا شيء عليه .
ووجوب الدّم بترك المبيت خاصٌّ فيمن تركه بلا عذر , أمّا من تركه لعذر كمن انتهى إلى عرفات ليلة النّحر واشتغل بالوقوف بعرفة عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه , وكالمرأة لو خافت طروء الحيض أو النّفاس , فبادرت إلى مكّة بالطّواف , وكمن أفاض من عرفات إلى مكّة وطاف للركن ولم يمكنه الدّفع إلى المزدلفة بلا مشقّة ففاته المبيت وكالرعاة والسقاة فلا دم عليهم لترك المبيت , لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: رخّص للرعاة في ترك المبيت لحديث عديٍّ رضي اللّه عنه: « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منىً » , « وأنّ العبّاس بن عبد المطّلب استأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبيت بمكّة ليالي منىً من أجل سقايته فأذن له » .
وقال المالكيّة: يندب المبيت بمزدلفة بقدر حطّ الرّحال , سواء حطّت بالفعل أم لا , وإن لم ينزل فيها بهذا القدر حتّى طلع الفجر بلا عذر وجب عليه دم , أمّا إن تركه بعذر فلا شيء عليه .
وعند الحنفيّة: المبيت في مزدلفة ليلة النّحر سنّة مؤكّدة إلى الفجر , لا واجبة .
قال الكاساني: والسنّة أن يبيت ليلة النّحر بمزدلفة والبيتوتة ليست بواجبة إنّما الواجب هو الوقوف , والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصّلاة , فيصلّي صلاة الفجر بغلس , ثمّ يقف عند المشعر الحرام فيدعو اللّه تعالى ويسأله حوائجه إلى أن يسفر , ثمّ يفيض منها قبل طلوع الشّمس إلى منىً .
تقديم النّساء والضّعفة إلى منىً:
6 -ذهب الفقهاء إلى أنّه من السنّة تقديم الضعفاء من النّساء وغيرهنّ من مزدلفة إلى منىً قبل طلوع الفجر بعد نصف اللّيل ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة النّاس , لحديث عائشة رضي اللّه عنها قالت: « استأذنت سودة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة النّاس وكانت امرأةً ثبطةً فأذن لها » , وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: « أنا ممّن قدّم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله » .
الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة:
7 -ذهب الفقهاء إلى مشروعيّة الجمع بين المغرب والعشاء للحاجّ في مزدلفة ليلة النّحر إلّا أنّهم اختلفوا في بعض التّفاصيل .