التّعريف:
1 -الشّمّ في اللّغة: مصدر شممته أشمّه ، وشممته أشمّه شمًّا .
والشّمّ: حسّ الأنف ، وإدراك الرّوائح .
وقال أبو حنيفة: تشمّم الشّيء واشتمّه: أدناه من أنفه ليجتذب رائحته .
ولا يخرج معنى اللّفظ في الاصطلاح عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الاستنكاه:
2 -جاء في اللّسان: استنكهه: شمّ رائحة فمه ، والاسم: النّكهة . ونكهته: شممت ريحه ، وفي حديث قصّة ماعز الأسلميّ: » فقام رجل فاستنكهه «: أي شمّ نكهته ورائحة فمه .
الحكم التّكليفيّ:
3 -الشّمّ قد يكون واجبًا وذلك في حقّ الشّهود المأمورين بالشّمّ لأجل الخصومات الواقعة في روائح المشموم حيث يقصد الرّدّ بالعيب أو يقصد منع الرّدّ إذا حدث العيب عند المشتري .
وكما في شمّ الشّهود فم السّكران لمعرفة رائحة الخمر .
وقد يكون الشّمّ حرامًا أو مكروهًا كشمّ الطّيب للمحرم بالحجّ أو العمرة عند من يقولون بذلك . وقد يكون مباحًا كشمّ الزّهور والرّياحين المباحة والطّيب المباح . إلاّ إذا كان طيبًا تطيّبت به امرأة أجنبيّة فيحرم تعمّد شمّه .
شمّ الصّائم الطّيب ونحوه:
4 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لو أدخل الصّائم إلى حلقه البخور وشمّ رائحته أفطر لإمكان التّحرّز عنه . وإذا لم يصل إلى حلقه لا يفطر . أمّا لو شمّ هواءً فيه رائحة الورد ونحوه ممّا لا جسم له فلا يفطر عند الحنفيّة .
وكرهه المالكيّة .
كما يكره عند الشّافعيّة شمّ الرّياحين ونحوها نهارًا للصّائم لأنّه من التّرفّه ولذلك يسنّ له تركه . وعند الحنابلة إذا كان الطّيب مسحوقًا كره شمّه لأنّه لا يؤمن من شمّه أن يجذبه نفسه للحلق ، ولذلك لا يكره شمّ الورد والعنبر والمسك غير المسحوق .
شمّ المحرم الطّيب:
5 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى كراهة شمّ الطّيب للمحرم . ولا فرق عند المالكيّة بين الطّيب المذكّر والمؤنّث . وهو مذهب المدوّنة ، وقال الباجيّ من المالكيّة: يحرم شمّ الطّيب المؤنّث . كذلك يكره عند الشّافعيّة شمّ الطّيب للمحرم ، لكن يؤخذ ممّا جاء في المهذّب وشرحه المجموع أنّه يحرم شمّ ما يعتبر طيبًا كالورد والمسك والكافور .
واختلف في الرّيحان الفارسيّ والنّرجس والنّيلوفر ونحوه وفيه قولان:
أحدهما: يجوز شمّها لما روي عن عثمان - رضي الله تعالى عنه - أنّه سئل عن المحرم: يدخل البستان ؟ فقال: نعم ويشمّ الرّيحان ، ولأنّ هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبةً فإذا جفّت لم يكن لها رائحة .
والثّاني: لا يجوز ، لأنّه يراد للرّائحة فهو كالورد والزّعفران .
وروى البيهقيّ بإسناده عن ابن عبّاس أنّه كان لا يرى بأسًا للمحرم بشمّ الرّيحان ، وروى البيهقيّ عكسه عن ابن عمر وجابر فروى بإسنادين صحيحين أحدهما عن ابن عمر أنّه كان يكره شمّ الرّيحان للمحرم ، والثّاني عن أبي الزّبير أنّه سمع جابرًا يسأل عن الرّيحان أيشمّه المحرم ، والطّيب والدّهن فقال: لا .
وأمّا ما يطلب للأكل والتّداوي غالبًا كالقرنفل والدّارصينيّ والفواكه كالتّفّاح والمشمش فيجوز أكله وشمّه لأنّه ليس بطيب .
ويجوز للمحرم عند الشّافعيّة الجلوس عند العطّار وفي موضع يبخّر لأنّ في المنع من ذلك مشقّةً ولأنّ ذلك ليس بتطيّب مقصود والمستحبّ أن يتوقّى ذلك إلاّ أن يكون في موضع قربة كالجلوس عند الكعبة وهي تجمّر ، فلا يكره ذلك لأنّ الجلوس عندها قربة .
وفصّل الحنابلة فقالوا: النّبات الّذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما لا ينبت للطّيب ولا يتّخذ منه كنبات الصّحراء من الشّيح والقيصوم والخزامى والفواكه كلّها من الأترجّ والتّفّاح ، وما ينبته الآدميّون لغير قصد الطّيب كالحنّاء والعصفر فمباح شمّه ولا فدية فيه ولا نعلم فيه خلافًا إلاّ ما روي عن ابن عمر أنّه كان يكره للمحرم أن يشمّ شيئًا من نبات الأرض .
الثّاني: ما ينبته الآدميّون للطّيب ولا يتّخذ منه طيب كالرّيحان الفارسيّ والنّرجس ففيه وجهان: أحدهما يباح بغير فدية ، قاله عثمان بن عفّان وابن عبّاس والحسن ومجاهد وإسحاق رضي الله عنهم . والآخر يحرم شمّه ، فإن فعل فعليه الفدية ، وهو قول جابر وابن عمر وأبي ثور رضي الله عنهم لأنّه يتّخذ للطّيب فأشبه الورد وكلام أحمد يحتمل أنّه يكره ولا يجب فيه شيء .
الثّالث: ما ينبت للطّيب ويتّخذ منه طيب كالورد والبنفسج ففي شمّه الفدية ، وعن أحمد رواية أخرى في الورد أنّه لا فدية عليه في شمّه لأنّه زهر فشمّه كشمّ زهر سائر الشّجر .
الإجارة للشّمّ:
6 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم جواز إجارة الشّيء كالتّفّاح مثلًا لشمّه لأنّ الرّائحة عند الحنفيّة منفعة غير مقصودة .
وقال المالكيّة: لأنّها لا قيمة لها شرعًا .
وأجاز الشّافعيّة استئجار المسك والرّياحين للشّمّ لأنّ المنفعة متقوّمة .
وفرّق الحنابلة بين ما تتلف عينه وما لا تتلف .
قال ابن قدامة: يجوز استئجار ما يبقى من الطّيب والصّندل وقطع الكافور والنّدّ لتشمّه المرضى وغيرهم مدّةً ثمّ يردّها ، لأنّها منفعة مباحة فأشبهت الوزن والتّحلّي . ثمّ قال: ولا يصحّ استئجار ما لا يبقى من الرّياحين كالورد والبنفسج والرّيحان الفارسيّ وأشباهه لشمّها ، لأنّها تتلف عن قرب فأشبهت المطعومات .
الجناية على حاسّة الشّمّ: