التّعريف:
1 -الرّاتب: لغةً من رتب الشّيء رتوبًا إذا ثبت واستقرّ ، فالرّاتب هو الثّابت ، وعيش راتب: أي ثابت دائم .
قال ابن جنّيٍّ: يقال: ما زلت على هذا راتبًا أي مقيمًا . ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن معناه اللّغويّ .
مواطن البحث:
2 -ورد مصطلح الرّاتب في عدّة أبوابٍ من كتب الفقه منها:
أ - السّنن الرّواتب من الصّلوات:
3 -وهي السّنن التّابعة للفرائض ، ووقتها وقت المكتوبات الّتي تتبعها .
وقد اختلف الفقهاء في مقاديرها .
فذهب جمهور العلماء إلى أنّ الرّواتب المؤكّدة عشر ركعاتٍ ، ركعتان قبل الصّبح ، وركعتان قبل الظّهر ، وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال: » حفظت من النّبيّ صلى الله عليه وسلم عشر ركعاتٍ: ركعتين قبل الظّهر ،وركعتين بعدها ،وركعتين بعد المغرب في بيته ، وركعتين بعد العشاء في بيته ،وركعتين قبل الصّبح ،وكانت ساعة لا يدخل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيها، حدّثتني حفصة رضي الله عنها أنّه كان إذا أذّن المؤذّن وطلع الفجر صلّى ركعتين « . وهناك أقوال مرجوحة عند المذاهب تذكر أربعًا بعد الظّهر ، وأربعًا قبل العصر ، واثنتين قبل المغرب ، وستًّا بعد المغرب ، وأن لا راتبة بعد العشاء بلا حدٍّ .
والتّفاصيل في: ( السّنن الرّواتب ) .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ مقدارها اثنتا عشرة ركعةً: ركعتان قبل صلاة الفجر ، وأربع ركعاتٍ قبل صلاة الظّهر - لا يسلّم إلاّ في آخرهنّ - وركعتان بعد صلاة الظّهر ، وركعتان بعد صلاة المغرب ، وركعتان بعد صلاة العشاء .
لما روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: » من ثابر على اثنتي عشرة ركعةً بنى اللّه عزّ وجلّ له بيتًا في الجنّة: أربعًا قبل الظّهر ، وركعتين بعد الظّهر ، وركعتين بعد المغرب ،وركعتين بعد العشاء ،وركعتين قبل الفجر «. ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم واظب عليها ولم يترك شيئًا منها إلاّ لعذرٍ .
4 -وآكد السّنن الرّاتبة عند الحنفيّة ركعتا الفجر لورود الأحاديث بالتّرغيب فيهما ما لم يرد في غيرهما من النّوافل .
عن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها «
وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أيضًا أنّه قال: » لا تدعوا الرّكعتين اللّتين قبل صلاة الفجر ، فإنّ فيهما الرّغائب « وفي روايةٍ: » لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل « .
ب - المؤذّن الرّاتب:
5 -إذا كان في المسجد مؤذّن راتبٌ فلا يؤذّن قبله إلاّ أن يتخلّف ويخاف فوات وقت التّأذين فيؤذّن غيره ، لما روي عن زياد بن الحارث الصّدائيّ » أنّه أذّن للنّبيّ صلى الله عليه وسلم حين غاب بلال - رضي الله عنه « » وأذّن رجل حين غاب أبو محذورة « .
ولأنّ مؤذّني الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يكن غيرهم يسبقهم بالأذان .
وإذا نازع المؤذّن الرّاتب غيره في الأذان يقدّم الرّاتب .
قال ابن عابدين:إنّ المؤذّن الرّاتب يعيد الأذان إذا أذّن في المسجد من يكره أذانه كالفاسق ، والجنب ، والمرأة .
وقال في المجموع شرط المؤذّن الرّاتب أن يكون عالمًا بالمواقيت إمّا بنفسه أو بواسطة ثقةٍ آخر .
والتّفاصيل في مصطلح: ( أذان ) .
ج - الإمام الرّاتب:
6 -الإمام الرّاتب - وهو الّذي رتّبه السّلطان ، أو نائبه ، أو الواقف ، أو جماعة من المسلمين - يقدّم في إمامة الصّلاة على غيره من الحاضرين وإن اختصّ غيره بفضيلةٍ كأن يكون أعلم منه أو أقرأ منه ، روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه أتى أرضًا له وعندها مسجد يصلّي فيه مولى لابن عمر فصلّى معهم ، فسألوه أن يصلّي بهم فأبى وقال: صاحب المسجد أحقّ .
أمّا إن كان معه الإمام الأعظم أو نائبه أو القاضي أو أمثالهم من ذوي السّلطان والولاية ، فيقدّمون على الإمام الرّاتب لقوله صلى الله عليه وسلم: » لا يؤمّنّ الرّجلُ الرّجلَ في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلاّ بإذنه « .
» ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أمّ عتبان بن مالكٍ وأنسًا في بيوتهما «.
ولأنّ تقدّم غير صاحب السّلطان بحضرته بدون إذنه لا يليق ببذل الطّاعة .
وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ، إلاّ أنّ الشّافعيّة يرون أنّ محلّ تقديم الوالي على الإمام الرّاتب إذا لم يكن الإمام مرتّبًا من السّلطان أو نائبه ، أمّا إذا كان الإمام ممّن رتّبه السّلطان أو نائبه فإنّه مقدّم على والي البلد وقاضيه .
7-واختلف الفقهاء في حكم إعادة الجماعة في المسجد ، فذهب الجمهور - وهم الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى كراهة إعادة الجماعة في المسجد الّذي له إمام راتب ، ولا يقع في ممرّ النّاس ، ما لم تكن الإعادة بإذن الإمام الرّاتب ، فمن فاتته الجماعة مع الإمام الرّاتب صلّى منفردًا لئلاّ يفضي ذلك إلى اختلاف القلوب والعداوة والتّهاون في الصّلاة مع الإمام الرّاتب ، وإلى هذا ذهب عثمان البتّيّ ، والأوزاعيّ ، واللّيث ، والنّوويّ ، وأبو قلابة ، وأيّوب ، وابن عونٍ .
وذهب الحنابلة إلى أنّه لا يكره إعادة الجماعة في المسجد الّذي له إمام راتب وإن لم يكن واقعًا في ممرّ النّاس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: » صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بخمسٍ وعشرين درجةً « وفي روايةٍ: » بسبعٍ وعشرين درجةً « .