التعريف:
1 -الاستغفار في اللّغة: طلب المغفرة بالمقال والفعال .
وعند الفقهاء: سؤال المغفرة كذلك ، والمغفرة في الأصل: السّتر ، ويراد بها التّجاوز عن الذّنب وعدم المؤاخذة به ، وأضاف بعضهم: إمّا بترك التّوبيخ والعقاب رأسًا ، أو بعد التّقرير به فيما بين العبد وربّه . ويأتي الاستغفار بمعنى الإسلام .
قال اللّه تعالى: { وما كان اللّه معذّبهم وهم يستغفرون } أي يسلمون قاله مجاهدٌ وعكرمة . كذلك يأتي الاستغفار بمعنى الدّعاء والتّوبة ، وستأتي صلته بهذه الألفاظ .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - التّوبة:
2 -الاستغفار والتّوبة يشتركان في أنّ كلاًّ منهما رجوعٌ إلى اللّه سبحانه ، كذلك يشتركان في طلب إزالة ما لا ينبغي ، إلاّ أنّ الاستغفار طلبٌ من اللّه لإزالته .
والتّوبة سعيٌ من الإنسان في إزالته . وعند الإطلاق يدخل كلٌّ منهما في مسمّى الآخر ، وعند اقترانهما يكون الاستغفار طلب وقاية شرّ ما مضى والتّوبة الرّجوع وطلب وقاية شرّ ما يخافه في المستقبل من سيّئات أعماله ، ففي التّوبة أمران لا بدّ منهما: مفارقة شيءٍ ، والرّجوع إلى غيره ، فخصّت التّوبة بالرّجوع والاستغفار بالمفارقة ، وعند إفراد أحدهما يتناول كلٌّ منهما الآخر . وعند المعصية يكون الاستغفار المقرون بالتّوبة عبارةٌ عن طلب المغفرة باللّسان ، والتّوبة عبارةٌ عن الإقلاع عن الذّنب بالقلب والجوارح .
ب - الدّعاء:
3 -كلّ دعاءٍ فيه سؤال الغفران فهو استغفارٌ . إلاّ أنّ بين الاستغفار والدّعاء عمومًا وخصوصًا من وجهٍ ، يجتمعان في طلب المغفرة ، وينفرد الاستغفار إن كان بالفعل لا بالقول ، كما ينفرد الدّعاء إن كان بطلب غير المغفرة .
الحكم التّكليفيّ للاستغفار:
4 -الأصل في الاستغفار أنّه مندوبٌ إليه ، لقول اللّه سبحانه . { واستغفروا اللّه إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } يحمل على النّدب ، لأنّه قد يكون من غير معصيةٍ ، لكنّه قد يخرج عن النّدب إلى الوجوب كاستغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكالاستغفار من المعصية .
وقد يخرج إلى الكراهة كالاستغفار للميّت خلف الجنازة ، صرّح بذلك المالكيّة .
وقد يخرج إلى الحرمة ، كالاستغفار للكفّار .
الاستغفار المطلوب:
5 -الاستغفار المطلوب هو الّذي يحلّ عقدة الإصرار ، ويثبت معناه في الجنان ، لا التّلفّظ باللّسان ، فإن كان باللّسان - وهو مصرٌّ على المعصية - فإنّه ذنبٌ يحتاج إلى استغفارٍ . كما روي: « التّائب من الذّنب ، كمن لا ذنب له ، والمستغفر من الذّنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربّه » ويطلب للمستغفر بلسانه أن يكون ملاحظًا لهذه المعاني بجنانه ، ليفوز بنتائج الاستغفار ، فإن لم يتيسّر له ذلك فيستغفر بلسانه ، ويجاهد نفسه على ما هنالك ، فالميسور لا يسقط بالمعسور .
فإن انتفى الإصرار ، وكان الاستغفار باللّسان مع غفلة القلب ، ففيه رأيان:
الأوّل: وصفه بأنّه توبة الكذّابين ، وهو قول المالكيّة ، وقولٌ للحنفيّة والشّافعيّة ، إلاّ أنّ المالكيّة جعلوه معصيةً لاحقةً بالكبائر ، وقال الآخرون: بأنّه لا جدوى منه فقط .
الثّاني: اعتباره حسنةً وهو قول الحنابلة ، وقولٌ للحنفيّة والشّافعيّة ، لأنّ الاستغفار عن غفلةٍ خيرٌ من الصّمت وإن احتاج إلى استغفارٍ ، لأنّ اللّسان إذا ألف ذكرًا يوشك أن يألفه القلب فيوافقه عليه ، وترك العمل للخوف منه من مكايد الشّيطان .
صيغ الاستغفار:
6 -ورد الاستغفار بصيغٍ متعدّدةٍ ، والمختار منها ما رواه البخاريّ عن شدّاد بن أوسٍ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « سيّد الاستغفار أن تقول: اللّهمّ أنت ربّي لا إله إلاّ أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شرّ ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت » .
7 -ومن أفضل أنواع الاستغفار أن يقول العبد: « أستغفر اللّه الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه » . وهذا على سبيل المثال وليس الحصر كما أنّ بعض الأوقات وبعض العبادات تختصّ بصيغٍ مأثورةٍ تكون أفضل من غيرها وينبغي التّقيّد بألفاظها ، وموطن بيانها غالبًا كتب السّنّة والأذكار والآداب ، في أبواب الدّعاء والاستغفار والتّوبة .
وإذا كانت صيغ الاستغفار السّابقة مطلوبةً فإنّ بعض صيغه منهيٌّ عنها ، ففي الصّحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « لا يقولنّ أحدكم: اللّهمّ اغفر لي إن شئت ، اللّهمّ ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة فإنّ اللّه لا مستكره له »
استغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
8 -استغفار النّبيّ عليه الصلاة والسلام واجبٌ عليه ، لقوله تعالى: { فاعلم أنّه لا إله إلاّ اللّه واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ، وقد ذكر الفقهاء والمفسّرون وجوهًا عديدةً في استغفاره صلى الله عليه وسلم منها: أنّه يراد به ما كان من سهوٍ أو غفلةٍ ، أو أنّه لم يكن عن ذنبٍ ، وإنّما كان لتعليم أمّته ، ورأي السّبكيّ: أنّ استغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يحتمل إلاّ وجهًا واحدًا ، وهو: تشريفه من غير أن يكون ذنبٌ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى . وقد ثبت « أنّه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر في اليوم الواحد سبعين مرّةً ، ومائة مرّةٍ » ، بل كان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم:
« ربّ اغفر لي وتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الغفور مائة مرّةٍ » .
الاستغفار في الطّهارة:
أوّلًا: الاستغفار عقب الخروج من الخلاء: