فهرس الكتاب

الصفحة 1808 من 2053

مَشَقَّة *

التّعريف:

1 -المشقّة في اللغة: بمعنى الجهد والعناء والشّدّة والثّقل , يقال: شقّ عليه الشّيء يشقّ شقًا ومشقّةً إذا أتعبه , ومنه قوله تعالى: { لَمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ } معناه: إلّا بجهد الأنفس , والشّقّ: المشقّة , وقال في المصباح المنير: وشقّ الأمر علينا يشقّ من باب قتل أيضًا فهو شاق , وشقّ عليّ الأمر يشقّ شقًا ومشقّةً أي ثقل عليّ والمشقّة اسم منه .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .

الألفاظ ذات الصّلة:

أ - الحَرَج:

2 -الحرج في اللغة: بمعنى الضّيق , وحرج صدره حرجًا من باب تعب: ضاق .

وفي الاصطلاح: الحرج ما فيه مشقّة فوق المعتاد .

والصّلة بين المشقّة والحرج هي: أنّ الحرج أخص من المشقّة .

ب - الرخصة:

3 -الرخصة في اللغة: اليسر والسهولة يقال: رخص السّعر إذا تراجع وسَهل الشّراء . واصطلاحًا: عبارة عمّا وسِّع للمكلّف في فعله لعذر وعجز عنه مع قيام السّبب المحرّم: كتناول الميتة عند الاضطرار , وجواز الفطر في رمضان للمسافر .

والصّلة بين المشقّة والرخصة: هي أنّ المشقّة سبب للرخصة .

ج - الضّرورة:

4 -الضّرورة اسم من الاضطرار .

وفي الشّرع: بلوغ الإنسان حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب .

والصّلة هي أنّ المشقّة أعم من الضّرورة .

د - الحاجة:

5 -الحاجة تطلق على الافتقار , وعلى ما يفتقر إليه مع محبّته .

واصطلاحًا: ما يفتقر إليها من حيث التّوسعة ورفع الضّيق المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقّة اللّاحقة بفوت المطلوب .

والفرق بين المشقّة والحاجة أنّ الحاجة وإن كانت حالة جهد فهي دون المشقّة ومرتبتها أدنى منها .

الأحكام المتعلّقة بالمشقّة:

أوّلًا: أوجه المشقّة:

6 -يترتّب على المشقّة أحكام شرعيّة ورخصٌ متعدّدة , تعتمد على نوع المشقّة ودرجتها . ولا تخلو جميع التّكاليف في الشّريعة الإسلاميّة من جنس المشقّة أصلًا , بل إنّ التّكليف ما سمّي بهذا إلّا لأنّه طلب ما فيه كلفة ومشقّة , فلا يخلو شيء من التّكاليف من المشقّة وبيان ذلك في أنّ أوجه المشقّة أربعة .

الوجه الأوّل: مشقّة ما لا يطاق:

7 -وهي المشقّة الّتي لا يقدر العبد على حملها أصلًا , فهذا النّوع لم يرد التّكليف به في الشّرع أصلًا , إذ لا قدرة للمكلّف عليه في العادة فلا يقع التّكليف به شرعًا , وإن جاز عقلًا, فتكليف ما لا يطاق يسمّى مشقّةً من حيث كان تكلف الإنسان نفسه بحمله موقعًا في عناء وتعب لا يجدي , كالمقعد إذا تكلّف القيام , والإنسان إذا تكلّف الطّيران في الهواء , وما أشبه ذلك فحين اجتمع مع المقدور عليه الشّاقّ الحمل إذا تحمّل في نفس المشقّة سمّي العمل شاقًا والتّعب في تكلف حمله مشقّة .

الوجه الثّاني: المشقّة الّتي تطاق لكن فيها شدّة:

8 -المشقّة الّتي تطاق ويمكن احتمالها , لكن فيها شدّة , وهذا الوجه يكون خاصًّا بالمقدور عليه إلّا أنّه خارج عن المعتاد في الأعمال العادية , بحيث يشوّش على النّفوس في تصرفها ويقلقها في القيام بما فيه تلك المشقّة .

إلّا أنّ هذا الوجه على ضربين:

أحدهما: أن تكون المشقّة مختصّةً بأعيان الأفعال المكلّف بها , بحيث لو وقعت مرّةً واحدةً لوجدت فيها , وهذا هو الموضع الّذي وضعت له الرخص المشهورة في اصطلاح الفقهاء , كالصّوم في المرض والسّفر , والإتمام في السّفر وما أشبه ذلك .

والثّاني: أن لا تكون مختصّةً ولكن إذا نظر إلى كلّيّات الأعمال والدّوام عليها صارت شاقّةً ولحقت المشقّة العامل بها , ويوجد هذا في النّوافل وحدها إذا تحمّل الإنسان منها فوق ما يحتمله على وجهٍ ما إلّا أنّه في الدّوام يتعبه .

ولذلك فإنّ الشّارع لم يقصد إلى التّكليف بالشّاقّ والإعنات فيه , والدّليل على ذلك النصوص الدّالّة على ذلك كقوله تعالى: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } , وقوله تعالى: { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } وقوله تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } وقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } , وقوله تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } , وجاء في الحديث عن عائشة رضي اللّه عنها أنّ النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم: « ما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا » وإنّما قالت: « ما لم يكن إثمًا » لأنّ ترك الإثم لا مشقّة فيه من حيث كان مجرّد تركٍ إلى أشباه ذلك ممّا في هذا المعنى ولو كان قاصدًا للمشقّة لما كان مريدًا لليسر ولا للتّخفيف ولكان مريدًا للحرج والعسر وذلك باطل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت