التّعريف:
1 -التّربّع في اللّغة: ضرب من الجلوس ، وهو خلاف الجثوّ والإقعاء .
وكيفيّته: أن يقعد الشّخص على وركيه ، ويمدّ ركبته اليمنى إلى جانب يمينه ، وقدمه اليمنى إلى جانب يساره . واليسرى بعكس ذلك . واستعمله الفقهاء بهذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة:
2 -التّربّع: غير الاحتباء: والافتراش ، والإِفضاء ، والإِقعاء ، والتّورّك .
فالاحتباء: أن يجلس على أليتيه ، رافعًا ركبتيه محتويًا عليهما بيديه أو غيرهما . والافتراش: أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها ، وينصب قدمه اليمنى ويخرجها من تحته ، ويجعل بطون أصابعه على الأرض معتمدًا عليها لتكون أطراف أصابعها إلى القبلة .
والإفضاء في الجلوس في الصّلاة هو: أن يلصق أليته بالأرض ، وينصب رجله اليمنى وظاهر إبهامها ممّا يلي الأرض ، ويثني رجله اليسرى .
والإقعاء: أن يلصق أليتيه بالأرض ، وينصب ساقيه ، ويضع يديه على الأرض .
أو أن يجعل أليتيه على عقبيه ، ويضع يديه على الأرض .
وفي نصّ الشّافعيّة: الإقعاء المكروه: أن يجلس الشّخص على وركيه ناصبًا ركبتيه . والتّورّك: أن ينصب اليمنى ويثني رجله اليسرى ، ويقعد على الأرض .
ولتمام الفائدة تنظر هذه الألفاظ في مصطلحاتها .
حكم التّربّع:
أوّلًا - التّربّع في الصّلاة:
أ - التّربّع في الفريضة لعذر:
3 -أجمع أهل العلم على أنّ من لا يطيق القيام ، له أن يصلّي جالسًا ، وقد « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه: صلّ قائمًا ، فإِن لم تستطع فقاعدًا ، فإِن لم تستطع فعلى جَنْب » وفي رواية: « فإن لم تستطع فمستلقيًا » .
ولأنّ الطّاعة بحسب القدرة لقول اللّه تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًَا إلاّ وُسْعَها } .
4 -واختلفوا في هيئة الجلوس إذا عجز المصلّي عن القيام كيف يقعد ؟
فذهب المالكيّة في المشهور عندهم ، والشّافعيّة في قول ، والحنابلة إلى: أنّه إذا قعد المعذور يندب له أن يجلس متربّعًا ، وهو رواية عن أبي يوسف .
ويرى أبو حنيفة - في رواية محمّد عنه وهي ما صحّحها العينيّ - أنّ المعذور إذا افتتح الصّلاة يجلس كيفما شاء ، لأنّ عذر المرض يسقط الأركان عنه ، فلأن يسقط عنه الهيئات أولى .
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه يتربّع ، وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها . ويرى الشّافعيّة في الأظهر من القولين - وهو قول زفر من الحنفيّة - أنّه يقعد مفترشًا . وذهب المالكيّة في قول - وهو ما اختاره المتأخّرون - أنّ المعذور يجلس كما يجلس للتّشهّد . وهناك تفاصيل فيمن له أن يصلّي جالسًا ، وفي هيئة الّذي لا يقدر على الجلوس ولا على القيام تنظر في مصطلحات: ( صلاة المريض ، عذر ، وقيام ) .
ب - التّربّع في الفريضة بغير عذر:
5 -التّربّع مخالف للهيئة المشروعة في الفريضة في التّشهّدين جميعًا .
وقد صرّح الحنفيّة بكراهة التّربّع من غير عذر ، لما روي أنّ عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما رأى ابنه يتربّع في صلاته ، فنهاه عن ذلك ، فقال: رأيتك تفعله يا أبت ، فقال: إنّ رجليّ لا تحملاني . ولأنّ الجلوس على الرّكبتين أقرب إلى الخشوع ، فكان أولى .
وهذا ما يفهم من عبارات المالكيّة أيضًا ، لأنّهم يعدّون الإفضاء في الجلوس من مندوبات الصّلاة ، ويعتبرون ترك سنّة خفيفة عمدًا من سنن الصّلاة مكروهًا .
ويسنّ عند الشّافعيّة في قعود آخر الصّلاة التّورّك ، وفي أثنائها الافتراش .
ويقول الحنابلة بسنّيّة الافتراش في التّشهّد الأوّل ، والتّورّك في التّشهّد الثّاني .
ونقل ابن عبد البرّ إجماع العلماء على عدم جواز التّربّع للصّحيح في الفريضة .
وقال ابن حجر العسقلانيّ: لعلّ المراد بكلام ابن عبد البرّ بنفي الجواز إثبات الكراهة .
ج - التّربّع في صلاة التّطوّع:
6 -لا خلاف في جواز التّطوّع قاعدًا مع القدرة على القيام ، ولا في أنّ القيام أفضل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من صلّى قائمًا فهو أفضل ، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم » وقالت عائشة رضي الله عنها: « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يمت حتّى كان كثير من صلاته وهو جالس » .
7-أمّا كيفيّة القعود في التّطوّع فقد اختلف فيها:
فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول - وهو رواية عن أبي يوسف ومحمّد - إلى أنّه يستحبّ للمتطوّع جالسًا أن يكبّر للإحرام متربّعًا ويقرأ ، ثمّ يغيّر هيئته للرّكوع أو السّجود على اختلاف بينهم ، وروي ذلك عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم . كما روي عن ابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير والثّوريّ وإسحاق رحمهم الله .
ويرى أبو حنيفة ومحمّد - فيما نقله الكرخيّ عنه - تخيير المتطوّع في حالة القراءة بين القعود والتّربّع والاحتباء .
وعن أبي يوسف أنّه يحتبي ، هذا ما اختاره الإمام خواهر زاده ، لأنّ عامّة صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في آخر العمر كان محتبيًا ،ولأنّه يكون أكثر توجّهًا بأعضائه إلى القبلة. وقال زفر: يقعد في جميع الصّلاة كما في التّشهّد ، هذا ما اختاره السّرخسيّ .
وقال الفقيه أبو اللّيث: وعليه الفتوى لأنّه المعهود شرعًا في الصّلاة .
وقال الشّافعيّة في أصحّ الأقوال: إنّ المتطوّع يقعد مفترشًا .
ثانيًا - التّربّع عند تلاوة القرآن:
8 -لا بأس بقراءة القرآن في كلّ حال: قائمًا أو جالسًا ، متربّعًا أو غير متربّع ، أو مضطجعًا أو راكبًا أو ماشيًا ، لحديث « عائشة قالت: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتّكئ في حجري وأنا حائض ثمّ يقرأ القرآن » وعنها قالت:"إنّي لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري".