التّعريف:
1 -الاقتداء لغةً: مصدر اقتدى به ، إذا فعل مثل فعله تأسّيًا ، ويقال: فلان قدوة: أي يقتدى به ، ويتأسّى بأفعاله .
ويستعمله الفقهاء بالمعنى اللّغويّ ، وهو إذا كان في الصّلاة يعرّفونه بأنّه: اتّباع المؤتمّ الإمام في أفعال الصّلاة . أو هو ربط صلاة المؤتمّ بالإمام بشروطٍ خاصّةٍ جاء بها الشّرع ، وبيّنها الفقهاء في كتاب الصّلاة عند الكلام عن صلاة الجماعة .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الائتمام:
2 -الائتمام: بمعنى الاقتداء . يقول ابن عابدين: إذا ربط صلاته بصلاة إمامه حصل له صفة الاقتداء والائتمام ، وحصل لإمامه صفة الإمامة .
والاقتداء في استعمال الفقهاء أعمّ من الائتمام ، لأنّه يكون في الصّلاة وغيرها .
ب - الاتّباع:
3 -من معاني الاتّباع في اللّغة: المشي خلف الغير ، ومنه اتّباع الجنائز ، والمطالبة بالحقّ كما في الآية { فمن عفي له من أخيه شيء فاتّباع بالمعروف } ويأتي بمعنى الائتمام ، يقال: اتّبع القرآن: ائتمّ به وعمل بما فيه .
واستعمله الفقهاء بهذه المعاني ، كما استعملوه بمعنى الرّجوع إلى قولٍ ثبتت عليه حجّة ، فهو بهذا المعنى أخصّ من الاقتداء .
ج - التّأسّي:
4 -التّأسّي في اللّغة: من الأسوة بمعنى القدوة ، يقال: تأسّيت به وائتسيت: أي اقتديت . فالتّأسّي بمعنى الاقتداء . ومن معاني التّأسّي: التّعزّي ، أي: التّصبّر . وأكثر ما يكون الاقتداء في الصّلاة ، أمّا التّأسّي فيستعمل في غير ذلك .
د - التّقليد:
5 -التّقليد عبارة عن: قبول قول الغير بلا حجّةٍ ولا دليلٍ .
أقسام الاقتداء:
6 -الاقتداء على أقسامٍ ، منها: اقتداء المؤتمّ بالإمام في أفعاله من القيام والرّكوع والسّجود وغيرها . ومنها: الاقتداء في غير الصّلاة ، فهو بمعنى التّأسّي ، كاقتداء الأمّة بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ، واتّباع سنّته ، وغير ذلك كما سيأتي .
الاقتداء في الصّلاة
7 -الاقتداء في الصّلاة هو: ربط صلاة المؤتمّ بصلاة الإمام كما سبق ، فلا بدّ أن يكون هناك إمام ومقتدٍ ، ولو واحدًا . وأقلّ من تنعقد به الجماعة - في غير العيدين والجمعة - اثنان ، وهو أن يكون مع الإمام واحد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الاثنان فما فوقهما جماعة » ولفعله عليه الصلاة والسلام حين « صلّى بابن عبّاسٍ وحده » .
وسواء كان ذلك الواحد رجلًا أو امرأةً أو صبيًّا يعقل ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمّى الاثنين مطلقًا جماعةً . وأمّا المجنون والصّبيّ الّذي لا يعقل فلا عبرة بهما ، لأنّهما ليسا من أهل الصّلاة . هذا ، وهناك شروط لا بدّ من توفّرها في الاقتداء والمقتدى به ( الإمام ) ، وحالات تخصّ المقتدي أي ( المأموم ) نذكرها فيما يلي:
شروط المقتدى به ( الإمام ) :
8 -يشترط في الإمام في الجملة: الإسلام والعقل اتّفاقًا ، والبلوغ عند الجمهور ، وكذلك الذّكورة إذا كان المقتدون ذكورًا ، والسّلامة من الأعذار - كرعافٍ وسلس البول - إذا اقتدى به أصحّاء ، والسّلامة من عاهات اللّسان - كفأفأةٍ وتمتمةٍ - إذا اقتدى به السّليم منهما ، وكذا السّلامة من فقد شرطٍ كطهارةٍ وستر عورةٍ .
على تفصيلٍ وخلافٍ في بعضها يذكر في مصطلح: ( إمامة ) .
شروط الاقتداء:
أ - النّيّة:
9 -اتّفق الفقهاء على أنّ نيّة المؤتمّ الاقتداء بالإمام شرط لصحّة الاقتداء ، إذ المتابعة عمل يفتقر إلى النّيّة . والمعتبر في النّيّة عمل القلب اللّازم للإرادة ، ويستحبّ التّلفّظ بها عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو قول للحنابلة قياسًا على الحجّ . وذكر جماعة إلى أنّ التّلفّظ بها بدعة ، لأنّه لم يرد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من الصّحابة والتّابعين . ويشترط في النّيّة أن تكون مقارنةً للتّحريمة ، أو متقدّمةً عليها بشرط ألاّ يفصل بينها وبين التّحريمة فاصل أجنبيّ ، وعلى ذلك فلا تصحّ نيّة الاقتداء في خلال الصّلاة بعدما أحرم منفردًا عند جمهور الفقهاء: ( الحنفيّة ، والمالكيّة ، وهو رواية عند الحنابلة )
وقال الشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة: يجوز للّذي أحرم منفردًا أن يجعل نفسه مأمومًا ، بأن تحضر جماعة فينوي الدّخول معهم بقلبه في صلاتهم ، سواء أكان في أوّل الصّلاة أم قد صلّى ركعةً فأكثر . ولا فرق في اشتراط النّيّة للمأموم بين الجمعة وسائر الصّلوات عند المالكيّة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة .
وعند الحنفيّة ، وهو مقابل الصّحيح عند الشّافعيّة: لا يشترط في الجمعة نيّة الاقتداء وكذلك العيدان ، لأنّ الجمعة لا تصحّ بدون الجماعة ، فكان التّصريح بنيّة الجمعة أو العيد مغنيًا عن التّصريح بنيّة الجماعة . ولا يجب تعيين الإمام باسمه كزيدٍ ، أو صفته كالحاضر ، أو الإشارة إليه ، بل تكفي نيّة الاقتداء بالإمام ، فإن عيّنه وأخطأ بطلت صلاته ، لربط صلاته بمن لم ينو الاقتداء به .
هذا ، ولا يشترط لصحّة الاقتداء أن يكون الإمام قد نوى الإمامة عند جمهور الفقهاء خلافًا للحنابلة . واشترط الحنفيّة نيّة الرّجل الإمامة لصحّة اقتداء النّساء به .
وتفصيله في مصطلح ( إمامة )
ب - عدم التّقدّم على الإمام:
10 -يشترط لصحّة الاقتداء ألاّ يتقدّم المقتدي إمامه في الموقف عند جمهور الفقهاء: ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) لحديث: « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به » والائتمام الاتّباع ، والمتقدّم غير تابعٍ ، ولأنّه إذا تقدّم الإمام يشتبه عليه حال الإمام ، ومحتاج إلى النّظر وراءه في كلّ وقتٍ ليتابعه ، فلا يمكنه المتابعة .