التّعريف:
1 -السّبق مصدر سبق وهو في اللّغة: القدمة في الجري وفي كلّ شيء .
والحدث من حدث الشّيء حدوثًا: أي تجدّد ويتعدّى بالألف فيقال: أحدثه ، وأحدث الإنسان إحداثًا ، والاسم: الحدث ، ويطلق على الحالة النّاقضة للطّهارة ، وعلى الحادث المنكر الّذي ليس بمعتاد ، ولا معروف في السّنّة .
وسبق الحدث في الاصطلاح: خروج شيء مبطل للطّهارة من بدن المصلّي"من غير قصد"في أثناء الصّلاة .
الحكم التّكليفيّ:
2 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الصّلاة لا تنعقد إن لم يكن متطهّرًا عند إحرامه ، عامدًا كان ، أم ساهيًا ، كما لا خلاف بينهم في أنّ الصّلاة تبطل إذا أحرم متطهّرًا ثمّ أحدث عمدًا . واختلفوا في الحدث الّذي يسبق من غير قصد ممّا يخرج من بدن المصلّي: من غائط ، أو بول ، أو ريح ، وكذا الدّم السّائل من جرح أو دمّل به بغير صنعه عند من يرى أنّه حدث يفسد الطّهارة .
3 -فذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا سبق منه شيء من هذه الأحداث تفسد طهارته ، ولا تبطل صلاته فيجوز له البناء على ما مضى من صلاته بعد تطهّره استحسانًا لا قياسًا ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف ، فليتوضّأ ، ثمّ ليبن على صلاته ، وهو في ذلك لا يتكلّم » .
ولأنّ الخلفاء الرّاشدين ، والعبادلة الثّلاثة ، وأنس بن مالك وسلمان الفارسيّ رضي الله عنهم ، قالوا بالبناء على ما مضى .
وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنّه سبقه الحدث في الصّلاة فتوضّأ وبنى على صلاته . وروي عن عمر أنّه فعل ذلك فثبت البناء عن الصّحابة قولًا وفعلًا .
قالوا: وكان القياس أن تبطل صلاته أيضًا ويستأنف الصّلاة بعد التّطهّر ، لأنّ التّحريمة لا تبقى مع الحدث ، كما لا تنعقد معه ، لفوات أهليّة أداء الصّلاة في الحالين بفوات الطّهارة فيهما ، لأنّ الشّيء لا يبقى مع عدم الأهليّة ، كما لا ينعقد من غير أهليّة ، فلا تبقى التّحريمة، لأنّها شرعت لأداء أفعال الصّلاة ، ولهذا لا تبقى مع الحدث العمد بالاتّفاق ، ولأنّ صرف الوجه عن القبلة ، والمشي للطّهارة في الصّلاة مناف لها . ولكن عدل عن القياس للنّصّ والإجماع . وهذا هو القول القديم للشّافعيّ ، ورواية عن أحمد .
4 -وقال المالكيّة وهو القول الجديد للشّافعيّ وأصحّ الرّوايات عن أحمد: تبطل صلاته ويتوضّأ ، ويلزمه استئنافها ، وهو قول الحسن ، وعطاء ، والنّخعيّ ، ومكحول ، واستدلّوا بحديث: « إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضّأ وليعد الصّلاة » .
وحديث عليّ رضي الله عنه: قال: « بينما نحن مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نصلّي إذ انصرف ونحن قيام ثمّ أقبل ورأسه يقطر ، فصلّى لنا الصّلاة ثمّ قال: إنّي ذكرت أنّي كنت جنبًا حين قمت إلى الصّلاة لم أغتسل ، فمن وجد منكم في بطنه رِزًّا أو كان على مثل ما كنت عليه فلينصرف حتّى يفرغ من حاجته أو غسله ، ثمّ يعود إلى صلاته » .
ولأنّه فقد شرط الصّلاة - وهو الطّهارة عن الحدث - في أثنائها على وجه لا يعود إلاّ بعد زمن طويل وعمل كثير ، ففسدت صلاته ، كما لو تنجّس نجاسةً يحتاج في إزالتها إلى مثل ذلك . أو انكشفت عورته ، ولم يجد السّترة إلاّ بعيدةً منه ، أو تعمّد الحدث ، أو انقضت مدّة المسح على الخفّين وهو في أثناء الصّلاة .
وفي رواية أخرى عن أحمد: إن كان الحدث من السّبيلين ابتدأ الصّلاة ولا يبني ، أمّا إن كان من غيرهما بنى ، لأنّ نجاسة السّبيلين أغلظ ، ولأنّ الأثر إنّما ورد في الخارج من غير السّبيلين فلا يلحق به ما ليس في معناه .
شروط البناء عند من يقول به:
يشترط في جواز البناء:
5 -أ - كون السّبق بغير قصد منه ، فلا يجوز البناء إذا أحدث عمدًا ، لأنّ جواز البناء ثبت معدولًا به عن القياس ، للنّصّ والإجماع ، فلا يلحق به إلاّ ما كان في معنى المنصوص ، والمجمع عليه ، والحدث العمد ليس كالحدث الّذي يسبق لأنّه ممّا يبتلى به الإنسان ، فلو جعل مانعًا من البناء لأدّى إلى حرج ، ولا حرج في الحدث العمد . ولأنّ الإنسان يحتاج إلى البناء في الجمع والأعياد لإحراز الفضيلة ، فنظر الشّرع له بجواز البناء صيانةً لهذه الفضيلة من الفوات عليه ، وهو مستحقّ للنّظر ، لحصول الحدث من غير قصد منه ، وبغير اختياره بخلاف الحدث العمد ، لأنّ متعمّد الحدث في الصّلاة جان ، فلا يستحقّ النّظر .
ب - ألا يأتي بعد الحدث بفعل مناف للصّلاة لو لم يكن قد أحدث ، إلاّ ما لا بدّ منه ، فيجب عليه تقليل الأفعال وتقريب المكان بحسب الإمكان ، ولا يتكلّم إلاّ ما يحتاج إليه في تحصيل الماء ونحوه . فإن تكلّم بعد الحدث بلا حاجة إليه ، أو ضحك أو أحدث حدثًا آخر عمدًا ، أو أكل أو شرب فلا يبني ،لأنّ هذه الأفعال منافية للصّلاة في الأصل فلا يسقط المنافي للضّرورة.
عوده بعد التّطهّر إلى مصلّاه:
6 -إن كان المصلّي منفردًا فانصرف وتوضّأ فهو بالخيار إن شاء أتمّ صلاته في الموضع الّذي توضّأ فيه ، وإن شاء عاد إلى الموضع الّذي افتتح الصّلاة فيه ، لأنّه إذا أتمّ الصّلاة حيث هو فقد سلمت صلاته عن الحركة الكثيرة لكنّه صلّى صلاةً واحدةً في مكانين .
وإن عاد إلى مصلّاه فقد أدّى جميع الصّلاة في مكان واحد ولكن مع زيادة مشي فاستوى الوجهان فيتخيّر .