التّعريف:
1 -التّطوّع: هو التّبرّع ، يقال: تطوّع بالشّيء: تبرّع به .
وقال الرّاغب: التّطوّع في الأصل: تكلّف الطّاعة ، وهو في التّعارف: التّبرّع بما لا يلزم كالتّنفّل . قال تعالى: { فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًَا فَهُوَ خَيْرٌ لَه } .
والفقهاء عندما أرادوا أن يعرّفوا التّطوّع ، عدلوا عن تعريف المصدر إلى تعريف ما هو حاصل بالمصدر ، فذكروا له في الاصطلاح ثلاثة معان:
الأوّل: أنّه اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات ، أو ما كان مخصوصا بطاعة غير واجبة ، أو هو الفعل المطلوب طلبا غير جازم . وكلّها معان متقاربة .
وهذا ما ذكره بعض فقهاء الحنفيّة ، وهو مذهب الحنابلة ، والمشهور عند الشّافعيّة .
وهو رأي الأصوليّين من غير الحنفيّة ، وهو ما يفهم من عبارات فقهاء المالكيّة .
والتّطوّع بهذا المعنى يطلق على: السّنّة والمندوب والمستحبّ والنّفل والمرغّب فيه والقربة والإحسان والحسن ، فهي ألفاظ مترادفة .
الثّاني: أنّ التّطوّع هو ما عدا الفرائض والواجبات والسّنن ، وهو اتّجاه الأصوليّين من الحنفيّة ، ففي كشف الأسرار: السّنّة هي الطّريقة المسلوكة في الدّين من غير افتراض ولا وجوب ، وأمّا حدّ النّفل - وهو المسمّى بالمندوب والمستحبّ والتّطوّع - فقيل: ما فعله خير من تركه في الشّرع . . . إلخ .
الثّالث: التّطوّع: هو ما لم يرد فيه نقل بخصوصه ، بل ينشئه الإنسان ابتداء ، وهو اتّجاه بعض المالكيّة والقاضي حسين وغيره من الشّافعيّة .
هذه هي الاتّجاهات في معنى التّطوّع وما يرادفه . غير أنّ المتتبّع لما ذكره الأصوليّون من غير الحنفيّة ، وما ذكره الفقهاء في كتبهم - بما في ذلك الحنفيّة - يجد أنّهم يتوسّعون بإطلاق التّطوّع على ما عدا الفرائض والواجبات ، وبذلك يكون التّطوّع والسّنّة والنّفل والمندوب والمستحبّ والمرغّب فيه ألفاظا مترادفة ، ولذلك قال السّبكيّ: إنّ الخلاف لفظيّ . غاية الأمر أنّ ما يدخل في دائرة التّطوّع بعضه أعلى من بعض في الرّتبة ، فأعلاه هو السّنّة المؤكّدة ، كالعيدين ، والوتر عند الجمهور ، وكركعتي الفجر عند الحنفيّة . ويلي ذلك المندوب أو المستحبّ كتحيّة المسجد ، ويلي ذلك ما ينشئه الإنسان ابتداء ، لكنّ كلّ ذلك يسمّى تطوّعا . والأصل في ذلك « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم للرّجل - الّذي سأل بعدما عرف فرائض الصّلاة والصّيام والزّكاة: هل عليّ غيرها ؟ فقال له: لا ، إلا أن تطوّع » . أنواع التّطوّع:
2 -من التّطوّع ما يكون له نظير من العبادات ، من صلاة وصيام وزكاة وحجّ وجهاد ، وهذا هو الأصل ، وهو المتبادر حين يذكر لفظ التّطوّع . والتّطوّع في العبادات يختلف في جنسه باعتبارات ، فهو يختلف من حيث الرّتبة ، إذ منه ما هو مؤكّد كالرّواتب مع الفرائض ، ومنه ما هو أقلّ رتبة كتحيّة المسجد ، ومنه ما هو أقلّ كالنّوافل المطلقة ليلًا أو نهارًا . ومن ذلك في الصّوم: صيام يومي عاشوراء وعرفة ، فهما أعلى رتبة من الصّيام في غيرهما ، والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أفضل منه في غيرها .
كما أنّ التّطوّع في العبادات يختلف في جنسه كذلك من حيث الإطلاق والتّقييد ، فمنه ما هو مقيّد ، سواء أكان التّقييد بوقت أو بسبب ، كالضّحى وتحيّة المسجد والرّواتب مع الفروض . ومنه ما هو مطلق كالنّفل المطلق باللّيل أو بالنّهار .
ويختلف كذلك من حيث العدد كالرّواتب من الفروض ، إذ هي عند الجمهور عشر ، وعند الحنفيّة اثنتا عشرة ركعة: اثنتان قبل الصّبح ، واثنتان قبل الظّهر ( وعند الحنفيّة أربع ) واثنتان بعده ، واثنتان بعد المغرب ، واثنتان بعد العشاء .
والتّطوّع في النّهار واللّيل مثنى مثنى عند الجمهور ، وعند الحنفيّة الأفضل أربع بتسليمة واحدة . ومثل ذلك تطوّع اللّيل عند أبي حنيفة خلافا للصّاحبين ، وبهذا يفتى .
وفي كلّ ما سبق تفصيل كثير ينظر في مصطلح ( السّنن الرّواتب ، ونفل ) وفيما له أبواب من ذلك مثل: عيد - كسوف - استسقاء . . . إلخ .
ومن التّطوّع ما يكون في غير العبادات كطلب علم غير مفروض .
وكذلك من أنواع البرّ والمعروف ، كالتّطوّع بالإنفاق على قريب لم تجب عليه نفقته ، أو على أجنبيّ محتاج ، أو قضاء الدّين عنه ، أو إبراء المعسر ، أو العفو عن القصاص ، أو الإرفاق المعروف بجعل الغير يحصل على منافع العقار ، أو إسقاط الحقوق . . . وهكذا .
ومنه ما يعرف بعقود التّبرّعات ، كالقرض والوصيّة والوقف والإعارة والهبة ، إذ أنّها قربات شرعت للتّعاون بين النّاس .
3 -ومن التّطوّع ما هو عينيّ مطلوب ندبا من كلّ فرد ، كالتّطوّع بالعبادات غير المفروضة من صلاة وصيام . . . ومنه ما هو على الكفاية كالأذان وغيره .
قال النّوويّ وغيره: ابتداء السّلام سنّة مستحبّة ليس بواجب ، وهو سنّة على الكفاية ، فإن كان المسلّم جماعة كفى عنهم تسليم واحد منهم . وتشميت العاطس سنّة على الكفاية .
حكمة مشروعيّة التّطوّع:
4 -التّطوّع يقرّب العبد من ربّه ويزيده ثوابا ، وفي الحديث القدسيّ: « وما يزال عبدي يتقرّبُ إليّ بالنّوافلِ حتّى أحبَّه . . . » الحديث .
والحكمة من مشروعيّة التّطوّع هي:
أ - اكتساب رضوان اللّه تعالى:
وكذلك نيل ثوابه ومضاعفة الحسنات ، وقد ورد في ثواب التّطوّع بالعبادة أحاديث كثيرة منها: قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم واللّيلة بنى اللّه له بيتًا في الجنّة » . وقوله صلى الله عليه وسلم: « ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها » وغير ذلك كثير في شأن الصّلاة .