التّعريف:
1 -التّشبيك في اللّغة: المداخلة ، فيقال لكلّ متداخلين أنّهما مشتبكان . ومنه: شبّاك الحديد ، وتشبيك الأصابع - وهو المراد هنا - لدخول بعضها في بعض . والشّبك: الخلط والتّداخل ، فيقال: شبك الشّيء يشبكه شبكا: إذا خلطه وأنشب بعضه في بعض .
وتشبيك الأصابع لا يخرج في معناه الاصطلاحيّ عن هذا ، قال ابن عابدين: تشبيك الأصابع: أن يدخل الشّخص أصابع إحدى يديه بين أصابع الأخرى .
الحكم الإجماليّ:
2 -أجمع الفقهاء على أنّ تشبيك الأصابع في الصّلاة مكروه ، لما روي عن كعب بن عجرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شبّك أصابعه في الصّلاة ، ففرّج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه » . وقال ابن عمر رضي الله عنهما في الّذي يصلّي وهو يشبّك أصابعه « تلك صلاة المغضوب عليهم »
وأمّا تشبيكها في المسجد في غير صلاة ، وفي انتظارها أي حيث جلس ينتظرها ، أو ماشيا إليها ، فقد قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة التّشبيك حينئذ ، لأنّ انتظار الصّلاة هو في حكم الصّلاة لحديث الصّحيحين « لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصّلاةُ تَحْبِسُه » ولما روى أحمد وأبو داود وغيرهما مرفوعا « إذا توضّأ أحدكم فأحسن وضوءه ثمّ خرج عامدًا إلى المسجد ، فلا يشبّك بين يديه فإنّه في صلاة » وما روى أبو سعيد الخدريّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبّكنّ ، فإنّ التّشبيك من الشّيطان ، وإنّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتّى يخرج منه »
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول
« إذا توضّأ أحدكم ثمّ خرج عامدا إلى الصّلاة ، فلا يشبّكنّ بين يديه ، فإنّه في صلاة » .
3 -وقد اختلف في الحكمة في النّهي عن التّشبيك في المسجد ، فقيل: إنّ النّهي عنه لما فيه من العبث . وقيل: لما فيه من التّشبّه بالشّيطان . وقيل: لدلالة الشّيطان على ذلك . وفي حاشية الطّحاويّ على مراقي الفلاح: حكمة النّهي عن التّشبيك: أنّه من الشّيطان ، وأنّه يجلب النّوم ، والنّوم من مظانّ الحدث ، ولما نبّه عليه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الّذي يصلّي وهو يشبّك أصابعه تلك صلاة المغضوب عليهم فكره ذلك لما هو في حكم الصّلاة ، حتّى لا يقع في المنهيّ عنه . وكراهته في الصّلاة أشدّ .
ولا يكره عند الجمهور التّشبيك بعد الفراغ ولو كان في المسجد ، لحديث ذي اليدين رضي الله عنه الّذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه - قال « صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العَشِيّ - قال ابن سيرين: سمّاها أبو هريرة ، ولكن نسيت أنا - قال: فصلّى بنا ركعتين ، ثمّ سلّم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتّكأ عليها كأنّه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، وشبّك بين أصابعه ، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفّه اليسرى ، وخَرَجَتِ السُّرْعانُ من أبواب المسجد ، فقالوا: قُصِرت الصّلاة ، وفي القوم
أبو بكر وعمر فهابا أن يكلّماه ، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين قال: يا رسول اللّه أنسيتَ أم قصرت الصّلاة ؟ قال لم أنس ولم تقصر فقال: أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا: نعم . فتقدّم فصلّى ما ترك ، ثمّ سلّم ، ثمّ كبّر وسجد مثل سجوده أو أطول ثمّ رفع رأسه وكبّر ، ثمّ كبّر وسجد مثل سجوده - أو أطول ، ثمّ رفع رأسه وكبّر . فربّما سألوه: ثمّ سلّم ؟ فيقول: نبّئت أنّ عمران بن حصين قال: ثمّ سلّم » .
ولا بأس به عند المالكيّة في غير صلاة حتّى ولو في المسجد ، لأنّ كراهته عندهم إنّما هي في الصّلاة فقط ، إلّا أنّه خلاف الأولى على نحو ما ورد بالشّرح الكبير وجواهر الإكليل . وفي مواهب الجليل ما نصّه: وأمّا بالنّسبة لغير الصّلاة فالتّشبيك لا بأس به حتّى في المسجد . قال ابن عرفة: وسمع ابن القاسم - أي من مالك -: لا بأس بتشبيك الأصابع يعني في المسجد في غير صلاة . وأومأ داود بن قيس ليد مالك مشبّكًا أصابعه به - أي بالمسجد - ليطلقه وقال: ما هذا ؟ فقال مالك: إنّما يكره في الصّلاة . وقال ابن رشد: صحّ في حديث ذي اليدين تشبيكه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه في المسجد .
4 -وأمّا تشبيكها خارج الصّلاة فيما ليس من توابعها: بأن لم يكن في حال سعي إليها ، أو جلوس في المسجد لأجلها ، فإن كان لحاجة نحو إراحة الأصابع - وليس لعبثٍ بل لغرض صحيح - فإنّه في هذه الحالة لا يكره عند الحنفيّة ، فقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا » وشبّك بين أصابعه . فإنّه لإفادة تمثيل المعنى ، وهو التّعاضد والتّناصر بهذه الصّورة الحسّيّة .
فلو شبّك لغير حاجة على سبيل العبث كره تنزيها . وفي حاشية الشبراملسي من الشّافعيّة: أنّه إذا جلس في المسجد لا للصّلاة بل لغيرها ، كحضور درس أو كتابة ، فلا يكره ذلك في حقّه لأنّه لم يصدق عليه أنّه ينتظر الصّلاة . وأمّا إذا انتظرهما معا فينبغي الكراهة ، لأنّه يصدق عليه أنّه ينتظر الصّلاة . وأمّا المالكيّة فقد رأوا كراهة التّشبيك للمصلّي خاصّة ولو في غير مسجد ، ولا بأس به عندهم في غير الصّلاة ولو في المسجد ، لقول مالك: يكره في الصّلاة حين أومأ داود بن قيس ليده مشبّكًا أصابعه ليطلقه وقال: ما هذا ؟ .
5 -والتّشبيك حال خطبة الجمعة يكره عند غير المالكيّة من الأئمّة ، لأنّ مستمع الخطبة في انتظار الصّلاة ، فهو كمن في الصّلاة لما سبق .